سيد محمد طنطاوي

405

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الإنسان الذي جعلنا له عينين . . لم يشكرنا على نعمنا ، فلا هو اقتحم العقبة ، ولا هو فعل شيئا ينجيه من عذابنا . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله : قوله : * ( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) * يعنى : فلم يشكر تلك الأيادى والنعم بالأعمال الصالحة : من فك الرقاب ، وإطعام اليتامى والمساكين . . بل غمط النعم ، وكفر بالمنعم . . فإن قلت : قلما تقع « لا » الداخلة على الماضي ، غير مكررة ، فما لها لم تكرر في الكلام الأفصح ؟ . قلت : هي متكررة في المعنى ، لأن المعنى * ( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ) * . . فلا فكّ رقبة ، ولا أطعم مسكينا . ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك . . « 1 » . والاستفهام في قوله - سبحانه - : * ( وما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ) * لتفخيم شأنها ، والتهويل من أمرها ، والتشويق إلى معرفتها . والكلام على حذف مضاف ، والتقدير : وما أدراك ما اقتحام العقبة ؟ . ثم فسر - سبحانه - ذلك بقوله : * ( فَكُّ رَقَبَةٍ ) * . والمراد بفك الرقبة إعتاقها وتخليصها من الرق والعبودية . إذ الفك معناه : تخليص الشيء من الشيء . . وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ، جملة من الأحاديث التي وردت في فضل عتق الرقاب ، وتحريرها من الرق . . ومن هذه الأحاديث قوله صلى اللَّه عليه وسلم « من أعتق رقبة مؤمنة ، أعتق اللَّه بكل إرب منها - أي عضو منها - إربا منه من النار . . . » . وقوله صلى اللَّه عليه وسلم : « ومن أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار . . . » « 2 » . وقراءة الجمهور * ( فَكُّ رَقَبَةٍ ) * برفع « فك » وإضافته إلى « رقبة » . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي : « فك » بفتح الكاف على أنه فعل ماض ، ونصب لفظ « رقبة » على أنه مفعول به . وقد ذهب جمع من المفسرين إلى أن المراد بفك الرقبة : أن يخلص الإنسان نفسه من المعاصي والسيئات ، التي تكون سببا في دخوله النار . وقوله - سبحانه - : * ( أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ) * بيان لفضيلة ثانية من الفضائل التي

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 755 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 430 .