سيد محمد طنطاوي

393

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

على ظهرها . . « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( وجاءَ رَبُّكَ . . . ) * هذه الآية وأمثالها من آيات الصفات التي يرى السلف وجوب الإيمان بها كما جاءت ، بمعنى أننا نؤمن بمجيء اللَّه - تعالى - ولكن من غير تكييف ولا تمثيل ، بل نكل علم كيفية مجيئه إلى مشيئته - تعالى - . والخلف يؤولون ذلك بأي المجيء هنا بمعنى مجيء أمره وقضائه . قال الآلوسي : قوله - تعالى - : * ( وجاءَ رَبُّكَ . . . ) * قال منذر بن سعيد ، معناه : ظهر - سبحانه - للخلق هنالك ، وليس ذلك بمجيء نقلة . . وقيل : الكلام على حذف مضاف للتهويل ، أي : وجاء أمر ربك وقضاؤه . واختار جمع أنه تمثيل لظهور آيات اقتداره - تعالى - وتبيين آثار قدرته وسلطانه ، مثلت حاله - سبحانه - في ذلك ، بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة ما لا يظهر بحضور عساكره ووزرائه وخواصه عن بكرة أبيهم ، وأنت تعلم ما للسلف في المتشابه من الكلام . * ( والْمَلَكُ ) * أي : جنس الملك ، فيشمل جميع الملائكة * ( صَفًّا صَفًّا ) * أي : مصطفين ، أو ذوى صفوف . . « 2 » . وقوله - تعالى - : * ( وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ) * أي : وأحضرت جهنم وظهرت وبرزت للكافرين والفاسقين يوم القيامة ، يوم تدك الأرض دكا . وقوله : * ( يَوْمَئِذٍ ) * منصوب بقوله * ( جِيءَ ) * . وقوله * ( بِجَهَنَّمَ ) * قائم مقام الفاعل . روى الإمام مسلم في صحيحه عن ابن مسعود قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام ، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها . . « 3 » . * ( يَوْمَئِذٍ ) * أي : في هذا اليوم العسير ، وهو يوم القيامة - وهو بدل من قوله - تعالى - : * ( إِذا دُكَّتِ الأَرْضُ ) * - * ( يَتَذَكَّرُ الإِنْسانُ ) * أي : يتذكر ما فرط منه من ذنوب ، وما ارتكبه من سيئات ، وما وقع فيه من كفر وفسوق عن أمر ربه . * ( وأَنَّى لَه الذِّكْرى ) * أي : ومن أين له الانتفاع بهذا التذكر ، لأنه تذكر قد جاء في غير وقت الانتفاع به ، وهو وقت الحساب على الأعمال ، لا وقت التوبة من السيئ منها . * ( يَقُولُ ) * هذا الإنسان الشقي * ( يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي ) * أي : يقول حين يرى العذاب

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 20 ص 54 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 30 ص 128 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 421 .