سيد محمد طنطاوي

391

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

حصول النعمة ، وعن قوله * ( رَبِّي أَهانَنِ ) * عند حصول التقتير في الرزق ، لأن اللَّه - تعالى - قد يوسع على الكافر وهو مهان ومبغوض منه - تعالى - ، وقد يضيق - سبحانه - على المؤمن مع محبته له ، وكلا الأمرين حاصل بمقتضى حكمته - عز وجل - والمؤمن الصادق هو الذي يشكر عند الرخاء ، ويصبر عند البأساء . و « بل » هنا للإضراب الانتقالى ، من ذمهم على القبيح من القول ، إلى ذمهم بما هو أشنع منه ، وهو ارتكابهم للقبيح من الأفعال . أي : كلا ليس قولكم هذا وهو أن الإكرام في الإعطاء ، والإهانة في المنع - هو القبيح فحسب ، بل هناك ما هو أقبح منه ، وهو أنكم - أيها الكافرون - . * ( لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ) * أي : لا تعطفون على اليتيم وهو الذي مات أبوه وهو صغير ، بأن تتركوه معرضا للفقر والاحتياج ، دون أن تعملوا على تقديم يد المساعدة إليه . * ( ولا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ) * أي : ولا يحث بعضكم بعضا على إطعام المساكين والبائسين . ونفى الحض على إطعامهم ، نفى لإطعامهم من باب أولى ، وفي ذلك زيادة لمذلتهم ، لأنهم لا يطعمون ، ولا يحضون غيرهم عليه ، لأنهم قوم خلت قلوبهم من الرحمة والعطف . قال الآلوسي : قوله - سبحانه - : * ( بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ . . . ) * إلخ . انتقال وترق من ذم هذا الإنسان على القبيح من القول ، إلى الأقبح من الفعل ، والالتفات إلى الخطاب ، لتشديد التقريع ، وتأكيد التشنيع . . والجمع باعتبار معنى الإنسان ، إذ المراد الجنس . أي : بل لكم أفعال وأحوال أشد شرا مما ذكر ، وأدل على تهالككم على المال ، حيث أكرمكم - سبحانه - بكثرة المال ، ولكنكم لم تؤدوا ما يلزمكم فيه من إكرام اليتيم . والمراد بطعام المسكين : إطعامه ، فالطعام مصدر بمعنى الإطعام . . أو المراد به : الشيء المطعوم ، ويكون الكلام على حذف مضاف . أي : على بذل طعام المسكين . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( وتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا ) * بيان لرذيلة ثالثة من رذائلهم المتعددة . والتراث : هو المال الموروث عن الغير . والمراد بالأكل مطلق الانتفاع ، وخص الأكل بالذكر ، لأنه يشمل معظم وجوه التصرفات المالية .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 30 ص 127 .