سيد محمد طنطاوي
38
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
صلى اللَّه عليه وسلم كان يفهم المراد منها ، وكذلك بعض أصحابه المقربين ، ولكن الذي ننفيه أن يكون الناس جميعا فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة في أوائل بعض السور . وهناك مناقشات أخرى للعلماء حول هذا الرأي ، يضيق المجال عن ذكرها . أما الرأي الثاني فيرى أصحابه أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ليست من المتشابه الذي استأثر اللَّه - تعالى - بعلمه . وأصحاب هذا الرأي قد اختلفوا فيما بينهم في تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتي : أ - أن هذه الحروف أسماء للسور ، بدليل قول النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « من قرأ حم السجدة حفظ إلى أن يصبح » ، وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها كسورة « ص » وسورة « يس » . ولا يخلو هذا القول من الضعف ، لأن كثيرا من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح ، والغرض من التسمية رفع الاشتباه . ب - وقيل : إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة ، للدلالة على انقضاء سورة وابتداء أخرى . ج - وقيل : إنها حروف مقطعة ، بعضها من أسماء اللَّه - تعالى - ، وبعضها من صفاته ، فمثلا : ألم أصلها : أنا اللَّه أعلم . د - وقيل : إنها اسم اللَّه الأعظم . إلى غير ذلك من الأقوال التي لا تخلو من مقال ، والتي أوصلها الإمام السيوطي في كتابه « الإتقان » إلى أكثر من عشرين قولا . ه - ولعل أقرب الآراء إلى الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت في افتتاح بعض السور ، للإشعار بأن هذا القرآن الذي تحدى اللَّه به المشركين ، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التي يعرفونها ، ويقدرون على تأليف الكلام منها ، فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه في الفصاحة والبلاغة ، مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة . وفضلا عن ذلك ، فإن تصدير هذه السور بمثل هذه الحروف المقطعة ، يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم ، إلى الإنصات والتدبر ، لأنه يطرق أسماعهم في أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة في مجاري كلامهم . وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها ، فيسمعوا حكما وحججا قد تكون سببا في هدايتهم واستجابتهم للحق .