سيد محمد طنطاوي

384

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ولهذا كان القول بأن الوتر هو اللَّه ، وبأن الشفع : جميع المخلوقات . . هو الراجح ، وهو الأعم في المعنى . . « 1 » . وأقسم - سبحانه - خامسا - بقوله : * ( واللَّيْلِ إِذا يَسْرِ ) * أي : وحق الليل عندما يسرى ويمضى ، تاركا من خلفه ظلامه ، ليحل محله النهار بضيائه . أو المعنى : وحق الليل وقت أن يسرى فيه السارون ، بعد أن أخذوا حظهم من النوم ، فإسناد السّرى إلى الليل على سبيل المجاز ، كما في قولهم : ليل نائم ، أي : ينام فيه الناس ، وقرأ الجمهور يسر بحذف الياء وصلا ووقفا ، اكتفاء عنها بالكسرة تخفيفا . وقرأ نافع وأبو عمرو بإثبات الياء عند الوصل ، وبحذفها عند الوقف . والمراد بالليل هنا : عمومه ، وقيل : المراد به هنا : ليلة القدر ، أو ليلة المزدلفة . والاستفهام في قوله - تعالى - : * ( هَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ) * للتقرير والتعظيم لما أقسم به - سبحانه - من مخلوقات . واسم الإشارة « ذلك » يعود إلى تلك الأشياء التي أقسم اللَّه - تعالى - بها . والمراد بالحجر العقل ، وسمى بذلك لأنه يحجر صاحبه ويمنعه عن ارتكاب مالا ينبغي ، كما سمى عقلا ، لأنه يعقل صاحبه عن ارتكاب السيئات ، كما يعقل العقال البعير عن الضلال . والمعنى : هل في ذلك الذي أقسمنا به من الفجر ، والليالي العشر ، والشفع والوتر . . قسم ، أي : مقسم به ، حقيق أن تؤكد به الأخبار عند كل ذي عقل سليم ؟ . مما لا شك فيه أن كل ذي عقل سليم ، يعلم تمام العلم ، أن ما أقسم اللَّه به من هذه الأشياء حقيق أن يقسم به ، لكونها - أي : هذه الأشياء - أمورا جليلة ، خليقة بالإقسام بها لفخامة شأنها ، كما أن كل ذي عقل سليم يعلم - أيضا - أن المقسم بهذا القسم ، وهو اللَّه - عز وجل - صادق فيما أقسم عليه . فالمقصود من وراء القسم بهذه الأشياء ، تحقيق المقسم عليه . بأسلوب فيه ما فيه من التأكيد والتشويق وتحقيق المقسم عليه . وجواب القسم محذوف دل عليه قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ ) * . إلى قوله : * ( فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ ) * .

--> ( 1 ) تفسير أضواء البيان للشيخ محمد الأمين الشنقيطي ج 8 ص 210 .