سيد محمد طنطاوي
377
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وصفها بأنها عالية في ذاتها ، وبأنها خالية من الكلام الساقط ، وبأن مياهها لا تنقطع ، وبأن أثاثها في غاية الفخامة ، حيث اجتمع فيها كل ما هو مريح ولذيذ . نسأل اللَّه - تعالى - أن يجعلنا جميعا من أهلها . ثم ساق - سبحانه - أنواعا من الأدلة المشاهدة ، التي لا يستطيع أحد إنكارها ، ليلفت أنظار الناس إلى مظاهر قدرته ووحدانيته . فقال - تعالى - : * ( أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ . وإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ . وإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ . وإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ) * . والاستفهام للتقريع والتوبيخ ، والتحريض على التأمل والتفكر ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، والمراد بالنظر : التدبر في تلك المخلوقات ، فإن من شأن هذا التدبر ، أنه يؤدى إلى الاعتبار والانتفاع . . والخطاب لأولئك الكافرين الجاهلين ، الذين أمامهم الشواهد الواضحة على وحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته ، ومع ذلك لم ينتبهوا لها . والمعنى : أيستمر هؤلاء الكافرون في جهلهم وضلالهم ، وفي إنكارهم لأمر البعث والحساب والجزاء . . فلا ينظرون نظر اعتبار وتأمل ، إلى الإبل - وهي أمام أعينهم - كيف خلقها اللَّه - تعالى - بهذه الصورة العجيبة ، وأوجد فيها من الأعضاء المتناسقة ، ومن التكوين الخلقي ، ما يجعلها تؤدى وظيفتها النافعة لبنى آدم ، على أكمل وجه ، فمن لبنها يشربون ، ومن لحمها يأكلون ، وعلى ظهرها يسافرون ، وأثقالهم عليها يحملون . وخص - سبحانه - الإبل بالذكر من بين سائر الحيوانات ، لأنها أعز الأموال عند العرب ، وأقربها إلى مألوفهم وحاجتهم ، وأبدعها خلقا وهيئة وتكوينا . قال صاحب الكشاف : قوله - تعالى - : * ( أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ ) * نظر اعتبار * ( كَيْفَ خُلِقَتْ ) * خلقا عجيبا ، دالا على تقدير مقدر ، شاهدا بتدبير مدبر ، حيث خلقها للنهوض بالأثقال ، وجرها إلى البلاد الشاحطة . أي البعيدة ، فجعلها تبرك حتى تحمل عن قرب ويسر ، ثم تنهض بما حملت ، وسخرها منقادة لكل من اقتادها بأزمتها ، لا تعارض ضعيفا ، ولا تمانع صغيرا . فإن قلت : كيف حسن ذكر الإبل ، مع السماء والجبال والأرض ، ولا مناسبة ؟ . . قلت : قد انتظم هذه الأشياء ، نظر العرب في أوديتهم وبواديهم ، فانتظمها الذكر على حسب ما انتظمها نظرهم . . « 1 » .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 745 .