سيد محمد طنطاوي

365

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

إذ هو - تعالى - على كل شيء قدير ، ولكنه لم يشأ ذلك فضلا منه وكرما . قال الإمام الشوكاني ما ملخصه : قوله : * ( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ) * أي : سنجعلك قارئا بأن نلهمك القراءة . فلا تنسى ما تقرؤه ، والجملة مستأنفة لبيان هدايته صلى اللَّه عليه وسلم الخاصة ، بعد بيان الهداية العامة ، وهي هدايته صلى اللَّه عليه وسلم لحفظ القرآن . وقوله : * ( إِلَّا ما شاءَ اللَّه ) * استثناء مفرغ من أعم المفاعيل ، أي : لا تنسى مما تقرؤه شيئا من الأشياء ، إلا ما شاء اللَّه أن تنساه ، وهو لم يشأ - سبحانه - أن ينسى النبي صلى اللَّه عليه وسلم شيئا كقوله - تعالى - خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ . وقيل : « لا » في قوله * ( فَلا تَنْسى ) * للنهي ، والألف مزيدة لرعاية الفاصلة ، كما في قوله - تعالى - : فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ، يعنى : فلا تغفل عن قراءته « 1 » . وقال الإمام الرازي : وهاتان الآيتان تدلان على المعجزة من وجهين : أحدهما : أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم كان أميا ، فحفظه لهذا الكتاب المطول عن غير دراسة ، ولا تكرار ، ولا كتبة ، خارق للعادة فيكون معجزا . وثانيهما : أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة . فهذا إخبار عن أمر عجيب غريب مخالف للعادة . سيقع في المستقبل ، وقد وقع ، فكان هذا إخبارا عن الغيب ، فيكون معجزا . . « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى ) * معطوف على قوله * ( سَنُقْرِئُكَ ) * وجملة : * ( إِنَّه يَعْلَمُ الْجَهْرَ وما يَخْفى ) * معترضة . والتيسير بمعنى التسهيل والتخفيف ، وهو جعل العمل يسيرا على عامله بأن يهيئ اللَّه - تعالى - للعامل الأسباب التي تهون له العسير ، وتقرب له البعيد . واليسرى : مؤنث الأيسر ، بمعنى الأسهل ، والموصوف محذوف . والمعنى : سنجعلك - أيها الرسول الكريم - صاحب ذاكرة قوية تحفظ القرآن ولا تنساه . وسنوفقك توفيقا دائما للطريقة اليسرى في كل باب من أبواب الدين : علما وعملا ، واهتداء وهداية - وسنرزقك الأمور الحسنة التي تجعلك تعيش سعيدا في دنياك ، وظافرا برضواننا في أخراك .

--> ( 1 ) تفسير فتح القدير ج 5 ص 424 . ( 2 ) راجع تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 381 .