سيد محمد طنطاوي

362

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ونزه ربك الأعلى ، عن الشريك ، وعن الوالد ، وعن الولد ، وعن الشبيه . . وعن كل ما لا يليق به . قال الجمل : أي : نزه ربك عن كل ما لا يليق به ، في ذاته ، وصفاته ، وأسمائه ، وأفعاله ، وأحكامه . أما في ذاته : فأن تعتقد أنها ليست من الجواهر والأعراض . وأما في صفاته : فأن تعتقد أنها ليست محدثة ولا متناهية ولا ناقصة . وأما في أفعاله : فأن تعتقد أنه - سبحانه - مطلق لا اعتراض لأحد عليه في أمر من الأمور . وأما في أسمائه : فأن لا تذكره - سبحانه - إلا بالأسماء التي لا توهم نقصا بوجه من الوجوه . . وأما في أحكامه : فأن تعلم أنه ما كلفنا لنفع يعود عليه ، بل لمحض المالكية . . « 1 » . أخرج الإمام أحمد عن عامر بن عقبة الجهني قال : لما نزلت : فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال لنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « اجعلوها في ركوعكم » فلما نزلت : * ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ) * قال : « اجعلوها في سجودكم » . ثم وصف - سبحانه - ذاته بعد وصفه بالأعلى بصفات كريمة أخرى فقال : * ( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ) * . والخلق : هو الإيجاد للشيء على غير مثال سابق ، والتسوية : هي جعل المخلوقات على الحالة والهيئة التي تناسبها ، وتتلاءم مع طبيعتها . أي : الذي خلق الخلائق كلها ، وجعلها متساوية في الأحكام والإتقان حسبما اقتضته حكمته . ومنح كل مخلوق ما يناسب طبيعته ووظيفته . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ) * أي : خلق كل شيء فسوى خلقه تسوية ، ولم يأت به متفاوتا غير ملتئم ، ولكن على إحكام واتساق ، ودلالة على أنه صادر عن عالم ، وأنه صنعة حكيم . . « 2 » . * ( والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ) * والتقدير : وضع الأشياء في مواضعها الصحيحة ، بمقدار معين ، وبكيفية معينة . . تقتضيها الحكمة ، ويقرها العقل السليم . وقوله : فَهَدَى من الهداية . بمعنى الإرشاد والدلالة على طريق الخير والبر . أي : وهو - سبحانه - الذي جعل الأشياء على مقادير مخصوصة في أجناسها ، وفي أنواعها ، وفي أفرادها . وفي صفاتها وأفعالها . . وهدى كل مخلوق إلى ما ينبغي له طبعا واختيارا ، ووجهه إلى

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 520 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 738 .