سيد محمد طنطاوي

356

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

يلتقيان في قرار مكين . فينشأ منهما الإنسان . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( إِنَّه عَلى رَجْعِه لَقادِرٌ . يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ ، فَما لَه مِنْ قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ ) * . بيان لكمال قدرته - تعالى - وأنه كما أنشأ الإنسان من ماء مهين ، قادر على إعادته إلى الحياة بعد موته . والضمير في قوله : * ( إِنَّه ) * يعود إلى اللَّه - عز وجل - لأن الخالق للإنسان من ماء دافق هو اللَّه - تعالى - . والضمير في قوله « رجعه » يعود إلى الإنسان المخلوق . وقوله : * ( تُبْلَى ) * من البلاء بمعنى الاختبار والامتحان ، ومنه قوله - تعالى - إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ والمراد بقوله * ( تُبْلَى ) * هنا : الكشف والظهور . و * ( السَّرائِرُ ) * جمع سريرة ، وهي ما أسره الإنسان من أقوال وأفعال ، والظرف « يوم » متعلق بقوله : * ( رَجْعِه ) * . أي : إن اللَّه - تعالى - الذي قدر على خلق الإنسان من ماء دافق . يخرج من بين الصلب والترائب . . لقادر - أيضا - على إعادة خلق هذا الإنسان بعد موته ، وعلى بعثه من قبره للحساب والجزاء ، يوم القيامة ، يوم تكشف المكنونات ، وتبدو ظاهرة للعيان ، وترفع الحجب عما كان يخفيه الإنسان في دنياه من عقائد ونيات وغيرهما . وفي هذا اليوم لا يكون للإنسان من قوة تحميه من الحساب والجزاء ، ولا يكون له من ناصر ينصره من بأس اللَّه - تعالى - أو من مدافع يدافع عنه . ثم أقسم - سبحانه - مرة أخرى بالسماء على أن القرآن من عنده - تعالى - فقال : * ( والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ . والأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ . إِنَّه لَقَوْلٌ فَصْلٌ . وما هُوَ بِالْهَزْلِ ) * . والرجع : المطر . وسمى بذلك لأنه يجيء ويرجع ويتكرر ، وقيل : الرجع هنا : الشمس والقمر والنجوم ، يرجعن في السماء حيث تطلع من ناحية ، وتغيب في الأخرى . وقيل : المراد بالرجع : الملائكة ، لأنهم يرجعون إليها حاملين أعمال العباد . والصدع : الشق والانفطار ، يقال : تصدع الشيء ، إذا تشقق . . والمراد به هنا : ما تتشقق عنه الأرض من نبات . كما قال - تعالى - : أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا . ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا ، فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا . وعِنَباً وقَضْباً . .

--> ( 1 ) راجع ق ظلال القرآن ج 30 ص 535 .