سيد محمد طنطاوي

339

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

جميع الأدلة على صدق الرسول صلى اللَّه عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، ومع ذلك فهم مصرون على كفرهم وجحودهم وعنادهم . قال الآلوسي : وقد صح عنه صلى اللَّه عليه وسلم أنه سجد عند قراءة هذه الآية ، فقد أخرج مسلم وأبو داود والترمذي . . عن أبي هريرة قال : سجدنا مع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم في * ( إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ ) * وفي اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ . . وهي سنة عند الشافعي ، وواجبة عند أبي حنيفة . . « 1 » . أما الإمام مالك فالرواية الراجحة في مذهبه ، أن هذه الآية ليست من آيات سجود التلاوة . وقوله - سبحانه - : * ( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ) * إضراب انتقالي ، من التعجيب من عدم إيمانهم مع ظهور كل الأدلة على وجوب الإيمان ، إلى الإخبار عنهم بأنهم مستمرون على كفرهم ، أي : ليس هناك أي مانع يمنع الكافرين من الإيمان ، بعد أن قامت جميع الشواهد على صدق الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ، بل الحق أن هؤلاء الكافرين إنما استمروا على كفرهم بسبب عنادهم وحسدهم للرسول صلى اللَّه عليه وسلم على ما آتاه اللَّه - تعالى - من فضله ، وتكذيبهم للحق عنادا وجحودا . وقوله - سبحانه - : * ( واللَّه أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ ) * كلام معترض بين سابقه ولا حقه ، والمقصود به التهديد والوعيد . ومعنى « يوعون » يضمرون ويخفون ويسرون ، وأصل الإيعاء حفظ الأمتعة في الوعاء ، يقال : أوعى فلان الزاد والمتاع ، إذا جعله في الوعاء ، والمراد به هنا : الإضمار والإخفاء ، كما في قول الشاعر : والشر أخبث ما أوعيت من زاد . أي : واللَّه - تعالى - أعلم من كل أحد ، بما يضمره هؤلاء الكافرون ، وبما يخفونه في صدورهم من تكذيب للحق ، ومن جحود للقرآن الكريم ، ومن معاداة للمؤمنين . وقوله : * ( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) * تفريع على قوله : * ( بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ) * . والتبشير : الإخبار بما يسر ، والمراد به هنا التهكم بهم ، بدليل توعدهم بالعذاب الأليم . أي : فبشر - أيها الرسول الكريم - هؤلاء الكافرين المكذبين للحق ، بالعذاب الأليم . والاستثناء في قوله - تعالى - : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 30 ص 83 .