سيد محمد طنطاوي

323

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : إذا تقرأ على هذا المكذب آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا وصدق رسولنا . . قال هذه الآيات هي من أساطير الأقوام الأولين وترهاتهم وقصصهم المخترعة التي لا أصل لها . فأنت ترى أن هؤلاء المكذبين ، قد وصفهم اللَّه - تعالى - بثلاث صفات هي : الاعتداء على الحق . والمبالغة في ارتكاب الآثام ، والجرأة في الافتراء والكذب ، حيث وصفوا القرآن بأنه ليس من عند اللَّه - تعالى - . ثم بين - سبحانه - الأسباب التي حملتهم على أن يقولوا في القرآن ما قالوا ، فقال : * ( كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) * . وقوله : * ( رانَ ) * من الرّين - بتشديد الراء مع الفتح - وهو الصدأ الذي يعلو الحديد والمرآة وما يشبههما ، يقال : ران ذنب فلان على قلبه - من باب باع - رينا وريونا ، إذا غلب عليه وغطاه ، وكل ما غلبك فقد ران بك ، ومنه قولهم : ران النعاس على فلان ، إذا استولى عليه . أي : كلا ، ليس الأمر كما زعموا من أن القرآن أساطير الأولين ، بل الحق أن الذي حملهم على قولهم هذا ، هو الكفر والعناد والجحود . . الذي استولى على قلوبهم في الدنيا فغطاها وطمسها ، فصارت لا تميز بين الكلام الحق والكلام الباطل ، ولا بين كلام اللَّه - تعالى - وكلام غيره . وفي الحديث الشريف الذي أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ، أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : إن العبد إذا أذنب ذنبا كانت نكتة سوداء في قلبه ، فإن تاب منها صقل قلبه ، أي : عاد إليه صفاؤه ، وإن زاد - في الذنوب - زادت حتى تعلو قلبه - وذلك هو الران الذي قال اللَّه في شأنه : * ( كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ) * « 1 » . وقوله : * ( بَلْ رانَ ) * قرأه الجمهور بإدغام اللام في الراء بعد قلبها راء لتقارب مخرجيهما . وقرأه عاصم بالوقف الخفيف على لام بل والابتداء بكلمة ران بدون إدغام . وقوله : * ( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) * بيان لسوء مصيرهم يوم القيامة . وكلا هنا تأكيد لسابقتها لزيادة الردع والزجر ، ويصح أن تكون كلا هنا بمعنى حقا . أي : حقا إن هؤلاء الفجار سيكونون يوم القيامة في حالة احتجاب وامتناع عن رؤية اللَّه - تعالى - وعن رضاه . قال الآلوسي : « كلا » ردع وزجر عن الكسب الرائن ، أو بمعنى حقا « إنهم » . أي : هؤلاء المكذبين * ( عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) * لا يرونه - سبحانه - وهو - عز وجل -

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 373 .