سيد محمد طنطاوي
305
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقرأ ابن كثير والكسائي وأبو عمر بظنين - بالظاء - أي : وما هو على الغيب بمتهم ، من الظنة - بالكسر - بمعنى التهمة . ثم قال : ورجحت هذه القراءة ، لأنها أنسب بالمقام ، لاتهام الكفرة له صلى اللَّه عليه وسلم بذلك ، ونفى التهمة ، أولى من نفى البخل . « 1 » . وهذا القول لا نوافق الآلوسي - رحمه اللَّه - عليه ، لأن القراءة متى ثبتت عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم لا يجوز التفاضل بينها وبين غيرها التي هي مثلها في الثبوت ، والقراءتان هنا سبعيتان ، ومن ثم فلا ينبغي التفاضل بينهما . والمعنى عليهما واضح ولا تعارض فيه . أي : وما محمد صلى اللَّه عليه وسلم ببخيل بتبليغ الوحي ، بل هو مبلغ له على أكمل وجه وأتمه ، وما هو - أيضا - بمتهم فيما يبلغه عن ربه ، لأنه صلى اللَّه عليه وسلم سيد أهل الصدق والأمانة . وقوله - سبحانه - * ( وما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ) * معطوف - أيضا - على قوله - تعالى - * ( إِنَّه لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ) * والضمير هنا يعود على القرآن الكريم . أي : وليس هذا القرآن الكريم ، المنزل على سيدنا محمد صلى اللَّه عليه وسلم بقول شيطان مرجوم مسترق للسمع . . وإنما هو كلام اللَّه - تعالى - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . وهذا رد آخر على المشركين الذين زعموا أن القرآن الكريم إنما هو من باب الكهانة ، وأن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم إنما هو كاهن ، تلقنه الشياطين هذا القرآن . وقوله - سبحانه - : * ( فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ) * جملة معترضة بين ما سبقها ، وبين قوله - تعالى - بعد ذلك * ( إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ) * ، والمقصود فيها توبيخهم وتعجيزهم عن أن يأتوا ولو بحجة واحدة يدافعون بها عن أنفسهم . والفاء لتفريع هذا التعجيز والتوبيخ ، على الحجج السابقة ، المثبتة بأن هذا القرآن من عند اللَّه - تعالى - وليس من عند غيره . وأين اسم استفهام عن المكان ، والاستفهام هنا للتعجيز والتقريع ، وهو منصوب بقوله : * ( تَذْهَبُونَ ) * . أي : إذا كان الأمر كما ذكرنا لكم ، فأي طريق تسلكون أوضح وأبين من هذا الطريق الذي أرشدناكم إليه ؟ إنه لا طريق لكم سوى هذا الطريق الذي أرشدناكم إليه .
--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 30 ص 61 .