سيد محمد طنطاوي
299
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثالثها : أنه يضم إلى كل صنف من كان في طبقته ، فيضم الطائع إلى مثله . . « 1 » . ثم قال - تعالى - : * ( وإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ . بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) * ولفظ « الموؤودة » من الوأد ، وهو دفن الطفلة حية . قال صاحب الكشاف وأد يئد مقلوب من آد يؤود : إذا أثقل . قال - تعالى - ولا يَؤُدُه حِفْظُهُما ، لأنه إثقال بالتراب . فإن قلت : ما حملهم على وأد البنات ؟ قلت : الخوف من لحوق العار بهم من أجلهن ، أو الخوف من الإملاق . فإن قلت : فما معنى سؤال الموؤودة عن ذنبها الذي قتلت به ؟ وهلا سئل الوائد عن موجب قتله لها ؟ قلت : سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها ، نحو التبكيت - لقوم عيسى - في قوله - تعالى - لعيسى : أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّه « 2 » . أي : وإذا الموؤودة سئلت ، على سبيل التبكيت والتقريع لمن قتلها ، بأي سبب من الأسباب قتلك قاتلك . ولا شك أنها لم ترتكب ما يوجب قتلها ، وإنما القصد من ذلك إلزام قائلها الحجة ، حتى يزداد افتضاحا على افتضاحه . وقد حكى القرآن في كثير من الآيات ، ما كان يفعله أهل الجاهلية من قتلهم للبنات ، ومن ذلك قوله - تعالى - : وإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثى ظَلَّ وَجْهُه مُسْوَدًّا وهُوَ كَظِيمٌ . يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِه ، أَيُمْسِكُه عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّه فِي التُّرابِ ، أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ « 3 » . ولم يكن الوأد معمولا به عند جميع قبائل العرب ، فقريش - مثلا - لم يعرف عنها ذلك وإنما عرف في قبائل ربيعة ، وكندة ، وتميم . ولكنهم لما كانوا جميعا راضين عن هذا الفعل ، جاء الحكم عاما في شأن أهل الجاهلية . وقوله - سبحانه - : * ( وإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ) * أي : بسطت بعد أن كانت مطوية ، وهي صحف الأعمال التي سجلتها الملائكة على أصحابها ، سواء أكانت تلك الأعمال خيرا أم شرا ، فهذه الصحائف تطوى عند الموت ، وتنشر يوم القيامة ، يوم الحساب والجزاء .
--> ( 1 ) راجع تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 339 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 708 . ( 3 ) سورة النحل الآيتان 58 ، 59 .