سيد محمد طنطاوي

292

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الرسول صلى اللَّه عليه وسلم يذكر أن سليمان قال : « ائتوني بالسكين أقسم الطفل بينهما نصفين » . وإما لأن كلمة الأب تطلق على أشياء كثيرة ، منها النبت الذي ترعاه الأنعام ، ومنها التبن ، ومنها يابس الفاكهة ، فكان إمساك أبى بكر وعمر عن بيان معناه ، لعدم الجزم بما أراد اللَّه منه على التعيين ، وهل الأب مما يرجع إلى قوله * ( مَتاعاً لَكُمْ ) * أو إلى قوله * ( ولأَنْعامِكُمْ ) * « 1 » . ثم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله : * ( مَتاعاً لَكُمْ ولأَنْعامِكُمْ ) * ، أي : أنبت لكم تلك الزروع والثمار . . . لتكون موضع انتفاع لكم ولأنعامكم إلى حين من الزمان . إذ المتاع : هو ما ينتفع به الإنسان إلى حين ثم ينتهى ويزول ، ولفظ « متاعا » منصوب بفعل محذوف ، أي : فعل ذلك متاعا لكم ، أو متعكم بذلك تمتيعا لكم ولأنعامكم . أو قوله * ( مَتاعاً لَكُمْ ) * حال من الألفاظ السابقة : العنب والقضب والزيتون والنخل . أي : حالة كون هذه المذكورات موضع انتفاع لكم ولأنعامكم . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحديث عن أحوال الناس في يوم القيامة . فقال - تعالى - : [ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 33 إلى 42 ] فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ ( 33 ) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيه ( 34 ) وأُمِّه وأَبِيه ( 35 ) وصاحِبَتِه وبَنِيه ( 36 ) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه ( 37 ) وُجُوه يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ( 38 ) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ( 39 ) ووُجُوه يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ ( 40 ) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ ( 41 ) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ( 42 ) والفاء في قوله - سبحانه - * ( فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ ) * للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها من فنون النعم . وجواب * ( فَإِذا ) * محذوف يدل عليه قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه ) * ، ويصح أن يكون جوابه قوله : * ( وُجُوه يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ) * . والصاخة : الصيحة الشديدة التي تصخّ الآذان ، أي تزلزلها لشدة صوتها ، وأصل الصخ : الصك الشديد ، والمراد بها هنا : النفخة الثانية التي بعدها يبعث الناس من قبورهم . . .

--> ( 1 ) تفسير التحرير والتنوير للشيخ ابن عاشور ج 30 ص 133 .