سيد محمد طنطاوي
242
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
لا تصل إليه الشمس . وفي * ( عُيُونٍ ) * من ماء وعسل ولبن وخمر . وهم - أيضا - في * ( فَواكِه ) * وهي ما يتفكه به ويتنعم . جمع فاكهة * ( مِمَّا يَشْتَهُونَ ) * أي : يأكلون من تلك الفواكه ما يشتهونه منها ، بدون تعب في طلبها ، فهي تحت أيديهم . ويقال لهم - على سبيل التكريم والتشريف - * ( كُلُوا ) * أكلا مريئا * ( واشْرَبُوا ) * شربا * ( هَنِيئاً ) * جزاء * ( بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) * في الدنيا من أعمال صالحة . * ( إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) * أي : إنا من شأننا أننا نعطى مثل هذا الجزاء الطيب للمؤمنين الذين أحسنوا أقوالهم وأفعالهم ، وصانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضينا ، هذا هو جزاء المتقين المحسنين ، أما الكافرون المكذبون ، فيقال لهم مرة ومرات - على سبيل التوبيخ والزجر - : * ( كُلُوا وتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ ) * . أي : * ( كُلُوا ) * في دنياكم كما تأكل الأنعام * ( وتَمَتَّعُوا ) * بملذاتكم متاعا * ( قَلِيلًا ) * سينتهي عما قريب ، وستلقون في آخرتكم أشد أنواع العذاب . بسبب أنكم كنتم في الدنيا دأبكم الإجرام ، والإصرار على الكفر والفسوق والعصيان . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف صح أن يقال لهم ذلك في الآخرة ؟ قلت : يقال لهم ذلك في الآخرة إيذانا بأنهم كانوا في الدنيا أحقاء بأن يقال لهم ، وكانوا من أهله ، تذكيرا بحالهم السمجة ، وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل ، على النعيم والملك الخالد . وعلل ذلك بكونهم مجرمين ، دلالة على أن كل مجرم ماله إلا الأكل والتمتع أياما قليلة ، ثم البقاء في الهلاك أبدا . ويجوز أن يكون * ( كُلُوا وتَمَتَّعُوا ) * كلاما مستأنفا خطابا للمكذبين في الدنيا . . « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) * أي : هلاك دائم وعذاب مقيم يوم القيامة للمكذبين ، الذين آثروا المتاع القليل الفاني في الدنيا ، على النعيم الدائم في الآخرة . * ( وإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ ) * أي : وإذا قيل لهؤلاء المجرمين اركعوا في الدنيا مع الراكعين ، وأدوا فريضة الصلاة مع الرسول صلى اللَّه عليه وسلم ومع المؤمنين . إذا قيل لهم ذلك - على سبيل النصح والإرشاد - صموا آذانهم ، وأصروا واستكبروا استكبارا ، وأبوا أن يصلوا مع المصلين . وعبر عن الصلاة بالركوع ، باعتبار أن الركوع من أهم أركانها ، فهو من باب التعبير بالجزء عن الكل .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 682 .