سيد محمد طنطاوي

238

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( أَحْياءً وأَمْواتاً ) * منصوبان على أنهما مفعولان به ، لقوله * ( كِفاتاً ) * . أو مفعولان لفعل محذوف . أي : لقد جعلنا الأرض وعاء ومكانا تجتمع فيه الخلائق : الأحياء منهم يعيشون فوقها ، والأموات منهم يدفنون في باطنها ، * ( وجَعَلْنا فِيها ) * - أيضا - جبالا * ( رَواسِيَ ) * أي : ثوابت * ( شامِخاتٍ ) * أي : مرتفعات ارتفاعا كبيرا ، جمع شامخ وهو الشديد الارتفاع . قال صاحب الكشاف : الكفات : من كفت الشيء إذا ضمه وجمعه . . وبه انتصب * ( أَحْياءً وأَمْواتاً ) * كأنه قيل : كافتة أحياء وأمواتا ، أو انتصبا بفعل مضمر يدل عليه ، وهو تكفت . والمعنى : تكفت أحياء على ظهرها ، وأمواتا في بطنها . فإن قلت : لم قيل أحياء وأمواتا على التنكير ، وهي كفات الأحياء والأموات جميعا ؟ قلت : هو من تنكير التفخيم ، كأنه قيل : تكفت أحياء لا يعدون ، وأمواتا لا يحصرون . . « 1 » . وقوله - سبحانه - * ( وأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ) * بيان لنعمة أخرى من أجل نعمه على خلقه ، أي : وأسقيناكم - بفضلنا ورحمتنا - ماء * ( فُراتاً ) * أي : عذبا سائغا للشاربين . وقوله - تعالى - * ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) * تكرير للتوبيخ والتقريع على جحودهم لنعم اللَّه ، التي يرونها بأعينهم ، ويحسونها بحواسهم ويستعملونها لمنفعتهم . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان المصير الأليم الذي ينتظر هؤلاء المكذبين ، فقال - تعالى - : * ( انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِه تُكَذِّبُونَ . انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ . لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ . إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ . كَأَنَّه جِمالَتٌ صُفْرٌ ) * . وقوله - سبحانه - : * ( انْطَلِقُوا ) * مفعول لقول محذوف . أي : يقال للكافرين يوم القيامة - على سبيل الإهانة والإذلال - : انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به في الدنيا من العذاب . وقوله : * ( انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ . . ) * بدل مما قبله ، وأعيد فعل * ( انْطَلِقُوا . . ) * على سبيل التوكيد ، لقصد الزيادة في تقريعهم وتوبيخهم . والمراد بالظل : دخان جهنم ، وسمى بذلك لشدة كثافته ، أي : انطلقوا - أيها المشركون - إلى ظل من دخان جهنم الذي يتصاعد من وقودها ، ثم يتفرق بعد ذلك إلى ثلاث شعب ، شأن الدخان العظيم عندما يرتفع .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 680 .