سيد محمد طنطاوي

233

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أقسم اللَّه - تعالى - بصفات خمس موصوفها محذوف ، فجعلها بعضهم الرياح في الكل ، وجعلها بعضهم الملائكة في الكل . . . وغاير بعضهم فجعل الصفات الثلاث الأول ، لموصوف واحد هو الرياح وجعل الرابعة لموصوف ثان وهو الآيات ، وجعل الخامسة لموصوف ثالث وهو الملائكة . . « 1 » . وسنسير نحن على هذا الرأي الثالث ، لأنه في تصورنا أقرب الآراء إلى الصواب ، إذ أن هذه الصفات من المناسب أن يكون بعضها للرياح ، وبعضها للملائكة . فيكون المعنى : وحق الرياح المرسلات لعذاب المكذبين ، فتعصفهم عصفا ، وتهلكهم إهلاكا شديدا ، فقوله : * ( عَصْفاً ) * وصف مؤكد للإهلاك الشديد ، يقال : عصفت الريح ، إذا اشتدت ، وعصفت الحرب بالقوم ، إذا ذهبت بهم ، وناقة عصوف ، إذا مضت براكبها مسرعة ، حتى لكأنها الريح . وقوله : * ( والنَّاشِراتِ نَشْراً ) * أي : وحق الرياح التي تنتشر انتشارا عظيما في الآفاق ، فتأتي بالسحب ، التي تتحول بقدرة اللَّه - تعالى - إلى أمطار غزيرة نافعة . قال ابن كثير - بعد أن ذكر آراء العلماء في معنى هذه الألفاظ - : والأظهر أن المرسلات هي الرياح ، كما قال - تعالى - : وأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ . . وقال - سبحانه - : وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه . وهكذا العاصفات هي الرياح ، يقال : عصفت الريح إذا هبت بتصويت ، وكذا * ( النَّاشِراتِ ) * : هي الرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء كما يشاء الرب - عز وجل - . وقوله - سبحانه - * ( فَالْفارِقاتِ فَرْقاً ) * يصح أن يكون وصفا للملائكة الذين ينزلون بالشرائع المفرقة بين الحق والباطل ، وبين أهل الحق وأهل الضلال . ويصح أن يكون وصفا للآيات التي أنزلها اللَّه - تعالى - للتمييز بين الخير والشر ، والرشد والغي . وقوله * ( فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً ) * قال القرطبي : هم الملائكة بإجماع ، يلقون كتب اللَّه - تعالى - إلى الأنبياء - عليهم السلام - . . « 2 » . فالمراد بالذكر في قوله * ( فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً ) * : وحى اللَّه - تعالى - الذي يبلغه الملائكة إلى الرسل .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 463 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 19 ص 156 .