سيد محمد طنطاوي
21
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمعنى : أأمنتم - أيها الناس - من في السماء وهو اللَّه - عز وجل - أن يذهب الأرض بكم ، فيجعل أعلاها أسفلها . . فإذا هي تمور بكم وتضطرب ، وترتج ارتجاجا شديدا تزول معه حياتكم . فالمقصود بالآية الكريمة تهديد الذين يخالفون أمره ، بهذا العذاب الشديد ، وتحذيرهم من نسيان بطشه وعقابه . والباء في قوله * ( بِكُمُ ) * للمصاحبة . أي : يخسفها وأنتم مصاحبون لها بذواتكم ، بعد أن كانت مذللة ومسخرة لمنفعتكم . . ثم انتقل - سبحانه - من تهديدهم بالخسف إلى تهديدهم بعذاب آخر فقال : * ( أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ) * . أي : بل أأمنتم - أيها الناس - من السماء ، وهو اللَّه - عز وجل - بسلطانه وقدرته . . أن يرسل عليكم * ( حاصِباً ) * أي : ريحا شديدة مصحوبة بالحصى والحجارة التي تهلك ، فحينئذ ستعلمون عند معاينتكم للعذاب ، كيف كان إنذارى لكم متحققا وواقعا وحقا . . فالاستفهام في الآيتين المقصود به التعجيب من أمنهم عذاب اللَّه - تعالى - عند مخالفتهم لأمره ، وخروجهم عن طاعته . وقدم - سبحانه - التهديد بالخسف على التهديد بإرسال الحاصب ، لأن الخسف من أحوال الأرض ، التي سبق أن بين لهم أنه خلقها مذللة لهم ، وفيها ما فيها من منافعهم ، فهذه المنافع ليس عسيرا على اللَّه - تعالى - أن يحولها إلى عذاب لهم . . ثم ذكرهم - سبحانه - بما جرى للكافرين السابقين فقال : * ( ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ) * . . أي : وو اللَّه لقد كذب الذين من قبل كفار مكة من الأمم السابقة ، كقوم نوح وعاد وثمود . . فكان إنكاري عليهم ، وعقابي لهم ، شديدا ومبيرا ومدمرا لهم تدميرا تاما . فالنكير بمعنى الإنكار ، والاستفهام في قوله : * ( فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ) * للتهويل . أي : إن إنكاري عليهم كفرهم كان إنكارا عظيما ، لأنه ترتب عليه ، أن أخذتهم أخذ عزيز مقتدر . كما قال - تعالى - : فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِه ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْه حاصِباً ، ومِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْه الصَّيْحَةُ ، ومِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِه الأَرْضَ ، ومِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا ، وما كانَ اللَّه لِيَظْلِمَهُمْ ،