سيد محمد طنطاوي
214
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فلان ، وقد علمت أنه قد رآه . وتقول : هل وعظتك وهل أعطيتك ، ومقصودك أن تقرره بأنك قد أعطيته ووعظته . والدليل على أن « هل » هنا ليست للاستفهام الحقيقي . . أنه محال على اللَّه - تعالى - فلا بد من حمله على الخبر « 1 » . وجاءت الآية الكريمة بأسلوب الاستفهام ، لما فيه من التشويق إلى معرفة ما سيأتي بعده من كلام . وجملة * ( لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ) * في موضع نصب على الحال من الإنسان ، والعائد محذوف . أي : حالة كون هذا الإنسان ، لم يكن في ذلك الحين من الدهر ، شيئا مذكورا من بين أفراد جنسه . وإنما كان نسيا منسيا ، لا يعلم بوجوده أحد سوى خالقه - عز وجل - . ثم فصل - سبحانه - بعد هذا التشويق ، أطوار خلق الإنسان فقال : * ( إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيه ) * والمراد بالإنسان هنا - أيضا - جنسه وجميع أفراده . و « أمشاج » بمعنى أخلاط من عناصر شتى ، مشتق من المشج بمعنى الخلط ، يقال : مشج فلان بين كذا وكذا - من باب ضرب - إذا خلط ومزج بينهما ، وهو جمع مشج - كسبب ، أو مشج - ككتف ، أو مشيج - كنصير . قال الجمل : « أمشاج » نعت لنطفة . ووقع الجمع صفة لمفرد ، لأنه في معنى الجمع ، أو جعل كل جزء من النطفة نطفة ، فاعتبر ذلك فوصف بالجمع . . « 2 » . ويرى صاحب الكشاف ان لفظ « أمشاج » مفرد جاء على صيغة أفعال ، كلفظ أعشار في قولهم : برمة أعشار ، أي : برمة متكسرة قطعا قطعا ، وعليه يكون المفرد قد نعت بلفظ مفرد مثله . فقد قال - رحمه اللَّه - : « من نطفة أمشاج » كبرمة أعشار . . وهي ألفاظ مفردة غير جموع . ولذلك وقعت صفات للأفراد ، والمعنى : من نطفة قد امتزج فيها الماءان . . « 3 » . وجملة « نبتليه » حال من الإنسان . أو من فاعل « خلقنا » .
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 271 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 452 . ( 3 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 666 .