سيد محمد طنطاوي
200
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وجئ بلفظ « أيان » الدال على الاستفهام للزمان البعيد ، للإشعار بشدة تكذيبهم ، وإصرارهم على عدم وقوعه في أي وقت من الأوقات . ثم ساق - سبحانه - جانبا من أهوال يوم القيامة ، على سبيل التهديد والوعيد لهؤلاء المكذبين . فقال : * ( فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ . وخَسَفَ الْقَمَرُ . وجُمِعَ الشَّمْسُ والْقَمَرُ . يَقُولُ الإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ) * . و « برق » - بكسر الراء وفتحها - دهش وفزع وتحير ولمع من شدة شخوصه وخوفه . يقال : برق بصر فلان - كفرح ونصر - إذا نظر إلى البرق فدهش وتحير . والمراد بخسوف القمر : انطماس نوره ، واختفاء ضوئه . والمراد بجمع الشمس والقمر : اقترانهما ببعضهما بعد افتراقهما واختلال النظام المعهود للكون ، اختلالا تتغير معه معالمه ونظمه . وجواب * ( فَإِذا ) * قوله : * ( يَقُولُ الإِنْسانُ ) * أي : فإذا برق بصر الإنسان وتحير من شدة الفزع والخوف ، بعد أن رأى ما كان يكذب به في الدنيا . والتعريف في البصر : للاستغراق ، إذ أبصار الناس جميعا في هذا اليوم ، تكون في حالة فزع ، إلا أن هذا الفزع يتفاوت بينهم في شدته . * ( وخَسَفَ الْقَمَرُ ) * أي : ذهب ضوؤه . وانطمس نوره . * ( وجُمِعَ الشَّمْسُ والْقَمَرُ ) * أي : وقرن بينهما بعد أن كانا متفرقين . والتصقا بعد أن كانا متباعدين ، وغاب ضوؤهما بعد أن كانا منيرين . * ( يَقُولُ الإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ) * أي : فإذا ما تم كل ذلك ، يقول الإنسان في هذا الوقت الذي يبرق فيه البصر ، ويخسف فيه القمر ، ويجمع فيه بين الشمس والقمر : أين المفر . أي : أين الفرار من قضاء اللَّه - تعالى - ومن قدره وحسابه . فالمفر مصدر بمعنى الفرار . والاستفهام بمعنى التمني أي : ليت لي مكانا أفر إليه مما أراه . وقوله - سبحانه - : * ( كَلَّا لا وَزَرَ . إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ) * إبطال لهذا التمني ، ونفى لأن يكون لهذا الإنسان مهرب من الحساب . والوزر : المراد به الملجأ والمكان الذي يحتمي به الشخص للتوقي مما يخافه ، وأصله : الجبل المرتفع المنيع ، من الوزر وهو الثقل .