سيد محمد طنطاوي

19

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم ذكر - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على عباده فقال : * ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا ، فَامْشُوا فِي مَناكِبِها ، وكُلُوا مِنْ رِزْقِه وإِلَيْه النُّشُورُ ) * . والذلول : السهلة المذللة المسخرة لما يراد منها من مشى عليها ، أو غرس فيها ، أو بناء فوقها . . من الذّل وهو سهولة الانقياد للغير ، ومنه قوله - تعالى - : قالَ إِنَّه يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ . . أي : غير مذللة ولا مدربة على حرث الأرض . . والأمر في قوله * ( فَامْشُوا فِي مَناكِبِها ) * للإباحة ، والمناكب جمع منكب وهو ملتقى الكتف مع العضد والمراد به هنا : جوانبها أو طرقها وفجاجها أو أطرافها . . وهو مثل لفرط التذليل ، وشدة التسخير . . أي : هو - سبحانه - الذي جعل لكم - بفضله ورحمته - الأرض المتسعة الأرجاء . مذللة مسخرة لكم ، لتتمكنوا من الانتفاع بها عن طريق المشي عليها ، أو البناء فوقها . أو غرس النبات فيها . . وما دام الأمر كذلك فامشوا في جوانبها وأطرافها وفجاجها . . ملتمسين رزق ربكم فيها ، وداوموا على ذلك ، ففي الحديث الشريف : « التمسوا الرزق في خبايا الأرض » . والمراد بقوله : * ( وكُلُوا مِنْ رِزْقِه ) * الانتفاع بما فيها من وجوه النعم ، وعبر عنه بالأكل لأنه أهم وجوه الانتفاع . فالآية الكريمة دعوة حارة للمسلمين لكي ينتفعوا بما في الأرض من كنوز ، حتى يستغنوا عن غيرهم في مطعمهم ومشربهم وملبسهم وسائر أمور معاشهم . . فإنه بقدر تقصيرهم في استخراج كنوزها ، تكون حاجتهم لغيرهم . قال بعض العلماء : قال الإمام النووي في مقدمة المجموع : إن على الأمة الإسلامية أن تعمل على استثمار وإنتاج كل حاجاتها حتى الإبرة ، لتستغنى عن غيرها ، وإلا احتاجت إلى الغير بقدر ما قصرت في الإنتاج . . وقد أعطى اللَّه - تعالى - العالم الإسلامي الأولوية في هذا كله . فعليهم أن يحتلوا مكانهم ، ويحافظوا على مكانتهم ، ويشيدوا كيانهم بالدين والدنيا معا . . « 1 » . وقد أفاض بعض العلماء في بيان معنى قوله - تعالى - : * ( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا . . ) * . فقال ما ملخصه : والناس لطول إلفهم لحياتهم على هذه الأرض وسهولة

--> ( 1 ) تفسير أضواء البيان ج 8 ص 406 .