سيد محمد طنطاوي

181

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

* ( ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكْبَرَ ) * أي : ثم إنه بعد هذا التفكير والتقدير ، وبعد هذا العبوس والبسور ، بعد ذلك أدبر عن الحق ، واستكبر عن قبوله . * ( فَقالَ ) * - على سبيل الغرور والجحود - * ( إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ) * أي : ما هذا القرآن الذي يقرؤه محمد صلى اللَّه عليه وسلم علينا ، إلا سحر مأثور أي : مروى عن الأقدمين ، ومنقول من أقوالهم وكلامهم . وجملة * ( إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ) * بدل مما قبلها ، أي : ما هذا القرآن إلا سحر مأثور عن السابقين ، فهو من كلام البشر ، وليس من كلام اللَّه - تعالى - كما يقول محمد صلى اللَّه عليه وسلم . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما معنى « ثم » الداخلة في تكرير الدعاء ؟ قلت : الدلالة على أن الكرة الثانية أبلغ من الأولى ، ونحوه قوله : ألا يا أسلمي ثم أسلمي ، ثمّت أسلمي . فإن قلت : ما معنى المتوسطة بين الأفعال التي بعدها ؟ قلت : الدلالة على أنه قد تأتى في التأمل والتمهل ، وكأن بين الأفعال المتناسقة تراخيا وتباعدا . . فإن قلت : فلم قيل : * ( فَقالَ إِنْ هذا . . . ) * بالفاء بعد عطف ما قبله بثم ؟ قلت : لأن الكلمة لما خطرت بباله بعد التطلب ، لم يتمالك أن نطق بها من غير تلبث . فإن قلت : فلم لم يوسط حرف العطف بين الجملتين ؟ قلت : لأن الأخرى جرت من الأولى مجرى التوكيد من المؤكد « 1 » . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الوعيد الشديد الذي توعد به هذا الشقي الأثيم فقال : * ( سَأُصْلِيه سَقَرَ ) * وسقر : اسم لطبقة من طبقات جهنم ، والجملة الكريمة بدل من قوله : * ( سَأُرْهِقُه صَعُوداً ) * أي : سأحرقه بالنار المتأججة الشديدة الاشتعال . وقوله : * ( وما أَدْراكَ ما سَقَرُ ) * تهويل من حال هذه النار وتفظيع لشدة حرها . أي : وما أدراك ما حال سقر ؟ إن حالها وشدتها لا تستطيع العبارة أن تحيط بها . وجملة * ( لا تُبْقِي ولا تَذَرُ ) * بدل اشتمال من التهويل الذي أفادته جملة * ( وما أَدْراكَ ما سَقَرُ ) * . أي : هذه النار لا تبقى شيئا فيها إلا أهلكته ، ولا تترك من يلقى فيها سليما ، بل تمحقه محقا ، وتبلعه بلعا ، وتعيده - بأمر اللَّه تعالى - إلى الحياة مرة أخرى ليزداد من العذاب ، كما

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 650 .