سيد محمد طنطاوي

171

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم تفسير سورة المدثر مقدمة وتمهيد 1 - سورة « المدثر » من أوائل السور التي نزلت على النبي صلى اللَّه عليه وسلم ويغلب على الظن أن نزولها كان بعد نزول صدر سورة « اقرأ » . ويشهد لذلك ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة - رضى اللَّه عنها - : أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم جاءه الوحي وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال له : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ . وروى الشيخان - أيضا - وغيرهما ، عن يحيى بن أبي كثير قال : سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن ؟ فقال : يا أيها المدثر . قلت : يقولون : اقرأ باسم ربك . . فقال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد اللَّه عن ذلك ، فقال : يا أيها المدثر لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : جاورت بحراء ، فلما قضيت جواري : هبطت الوادي ، فنوديت عن يميني فلم أر شيئا ، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا . . فرفعت رأسي ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض ، فرجعت على أهلي فقلت : دثروني ، دثروني . فنزلت يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنْذِرْ . قال الآلوسي ما ملخصه : وظاهر هذا الحديث يقتضى نزول هذه السورة قبل سورة اقرأ ، مع أن المروي في الصحيحين عن عائشة أن سورة « اقرأ » أول ما نزل على الإطلاق ، وهو الذي ذهب إليه أكثر الأمة ، حتى قال بعضهم وهو الصحيح . وللجمع بين هذين الحديثين وجوه منها : أن مراد جابر بالأولية أولية مخصوصة ، بما نزل بعد