سيد محمد طنطاوي
169
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - سبحانه - بعد ذلك : * ( عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى ، وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّه ، وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْه . . . ) * بدل اشتمال من جملة : * ( عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوه فَتابَ عَلَيْكُمْ . . . ) * ، أو هو كلام مستأنف لبيان الحكمة التي من أجلها خفف اللَّه على المسلمين قيام الليل . أي : صلوا من الليل على قدر استطاعتكم من غير تحديد بوقت ، فاللَّه - تعالى - يعلم أنكم لا تستطيعون ضبط ساعات الليل ولا أجزائه ، فخفف عنكم لذلك ، ولعلمه - أيضا - أن منكم المرضى الذين يعجزون عن قيام ثلثي الليل أو نصفه أو أقل من ذلك بقليل . ومنكم - أيضا - الذين * ( يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ ) * أي : يسافرون فيها للتجارة وللحصول على مطالب الحياة ، وهم في كل ذلك يبتغون ويطلبون الرزق من فضله - تعالى - . ومنكم - أيضا - الذين يقاتلون من أجل إعلاء كلمة اللَّه ، ويجاهدون من أجل نشر دينه وما دام الأمر كذلك ، فقد أبحت لكم - بفضلي وإحسانى - أن تصلوا من الليل ما تيسر لكم . وقد جمع - سبحانه - بين السعي في الأرض لطلب الرزق ، وبين الجهاد في سبيله ، للإشعار بأن الأول لا يقل في فضله عن الثاني ، متى توفرت فيه النية الطيبة ، وعدم الانشغال به عن ذكر اللَّه - تعالى - . قال الإمام القرطبي : سوى اللَّه - تعالى - في هذه الآية بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال ، للنفقة على النفس والعيال . . فكان هذا دليلا على أن كسب المال بمنزلة الجهاد في سبيل اللَّه . وفي الحديث الشريف : ما من جالب يجلب طعاما من بلد إلى بلد ، فيبيعه بسعر يومه ، إلا كانت منزلته عند اللَّه كمنزلة الشهداء . ثم قرأ صلى اللَّه عليه وسلم هذه الآية . . « 1 » . وأعيدت جملة * ( فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْه ) * لتأكيد التيسير والتخفيف وتقريره ، وليعطف عليه ما بعده من بقية الأوامر ، وهي قوله - تعالى - : * ( وأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) * أي : وأدوها كاملة الأركان والخشوع والسنن . . في وقتها بدون تأخير . * ( وآتُوا الزَّكاةَ ) * أي : قدموها لمستحقيها من الفقراء والمساكين وغيرهما . قال ابن كثير : أي : أقيموا الصلاة الواجبة عليكم ، وآتوا الزكاة المفروضة ، وهذا يدل
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 19 ص 55 .