سيد محمد طنطاوي

163

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم نكر الرسول ثم عرف ؟ قلت : لأنه أراد : أرسلنا إلى فرعون بعض الرسل ، فلما أعاده وهو معهود بالذكر أدخل لام التعريف . إشارة إلى المذكور بعينه . . « 1 » . وأظهر - سبحانه - اسم فرعون مع تقدم ذكره فقال : * ( فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ ) * ، دون أن يؤتى بضميره ، للإشعار بفظاعة هذا العصيان ، وبلوغه النهاية في الطغيان . والمقصود من هاتين الآيتين ، تهديد المشركين ، بأنهم إذا ما استمروا في تكذيبهم لرسولهم ، محمد صلى اللَّه عليه وسلم فقد يصيبهم من العذاب ما أصاب فرعون عندما عصى موسى - عليه السلام - . ثم ذكرهم - سبحانه - بأهوال يوم القيامة ، لعلهم يتعظون أو يرتدعون فقال : * ( فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً ، السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِه كانَ وَعْدُه مَفْعُولًا ) * . والاستفهام في قوله : * ( فَكَيْفَ ) * مستعمل في التوبيخ والتعجيز ، و * ( تَتَّقُونَ ) * بمعنى تصونون أنفسكم من العذاب ، ومعنى * ( إِنْ كَفَرْتُمْ ) * إن بقيتم على كفركم وأصررتم عليه . وقوله * ( يَوْماً ) * : منصوب على أنه مفعول به لقوله : * ( تَتَّقُونَ ) * . وقوله : * ( السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِه ) * صفة ثانية لهذا اليوم . والمراد بالولدان : الأطفال الصغار ، وبه بمعنى فيه . . والمقصود بهاتين الآيتين - أيضا - تأكيد التهديد للمشركين ، حتى يقلعوا عن شركهم وكفرهم . . أي : إذا كان الأمر كما ذكرنا لكم من سوء عاقبة المكذبين ، فكيف تصونون أنفسكم - إذا ما بقيتم على كفركم - من عذاب يوم هائل شديد ، هذا اليوم من صفاته أنه يحول الشعر الشديد السواد للولدان ، إلى شعر شديد البياض . . وهذا اليوم من صفاته - أيضا - أنه لشدة هوله ، أن السماء - مع عظمها وصلابتها - تصير شيئا منفطرا - أي : متشققا * ( بِه ) * أي : فيه ، والضمير يعود إلى اليوم . . وصدر - سبحانه - الحديث عن يوم القيامة ، بلفظ الاستفهام « كيف » للإشعار بشدة هوله . وأنه أمر يعجز الواصفون عن وصفه . ووصف - سبحانه - هذا اليوم بأنه يشيب فيه الولدان ، ثم وصفه بأن السماء مع عظمها تتشقق فيه ، للارتقاء في الوصف من العظيم إلى الأعظم ، إذ أن تحول شعر الأطفال من السواد

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 641 .