سيد محمد طنطاوي

161

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وأما النّعمة - بكسر النون - فاسم للحالات الملائمة لرغبة الإنسان من غنى أو عافية أو نحوهما . وأما النّعمة - بالضم - فهي اسم المسرة . يقال : فلان في نعمة - بضم النون - أي : في فرح وسرور . وقوله : * ( ومَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ) * أي : واتركهم ودعهم في باطلهم وقتا قليلا ، فسترى بعد ذلك سوء عاقبة تكذيبهم للحق . وقوله - سبحانه - : * ( إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وجَحِيماً . . . ) * تعليل لما قبله . والأنكال : جمع نكل - بكسر النون وسكون الكاف - وهو القيد الثقيل ، يوضع في الرجل لمنع الحركة . وسميت القيود بذلك لأنها تجعل صاحبها موضع عبرة وعظة ، أو لأنها تجعل صاحبها ممنوعا من الحركة ، والتقلب في مناكب الأرض . أي : إن لدينا ما هو أشد من ردك عليهم . . . وهو تلك القيود التي نقيد حركتهم بها ، وإن لدينا « جحيما » أي : نارا شديدة الاشتعال نلقى بهم فيها ، وإن لدينا كذلك « طعاما ذا غصة » أي : طعاما يلتصق في الحلوق ، فلا هو خارج منها ، ولا هو نازل عنها ، بل هو ناشب فيها لبشاعته ومرارته . وهذا الطعام ذو الغصّة ، يشمل ما يتناولونه من الزقوم ومن الغسلين ومن الضريع ، كما جاء في آيات أخرى . والغصة : ما ينشب في الحلق من عظم أو غيره . وجمعه غصص . وإن لدينا فوق كل ذلك * ( عَذاباً أَلِيماً ) * أي : عذابا شديد الإيلام لمن ينزل به . فأنت ترى أن هذه الآية الكريمة قد توعدت هؤلاء المكذبين بألوان من العقوبات الشديدة ، توعدتهم بالقيود التي تشل حركتهم ، وبالنار المشتعلة التي تحرق أجسادهم ، وبالطعام البشع الذي ينشب في حلوقهم ، وبالعذاب الأليم الذي يشقيهم ويذلهم . والظرف في قوله - تعالى - : * ( يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ والْجِبالُ . . . ) * منصوب بالاستقرار العامل في « لدنيا » ، الذي هو الخبر في الحقيقة . أي : استقر لهم ذلك العذاب الأليم لدينا ، يوم القيامة ، يوم تضطرب وتتزلزل الأرض والجبال . * ( وكانَتِ الْجِبالُ ) * في هذا اليوم * ( كَثِيباً مَهِيلًا ) * أي : رملا مجتمعا ، بعد أن كانت قبل ذلك الوقت أحجارا صلبة كبيرة . فقوله : * ( كَثِيباً ) * من كثب الشيء يكثبه ، إذا جمعه من قرب ثم صبه ، وجمعه كثب