سيد محمد طنطاوي

152

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه السورة الكريمة روايات منها ما رواه البزار والطبراني في الأوسط ، وأبو نعيم في الدلائل عن جابر - رضى اللَّه عنه - قال : اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا : سموا هذا الرجل اسما تصدوا الناس عنه فقالوا : كاهن . قالوا : ليس بكاهن . قالوا : مجنون . قالوا : ليس بمجنون . قالوا : ساحر . قالوا : ليس بساحر . . . فتفرق المشركون على ذلك . فبلغ ذلك النبي صلى اللَّه عليه وسلم فتزمل في ثيابه وتدثر فيها . فأتاه جبريل فقرأ عليه : * ( يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) * يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . . . وقيل : إنه صلى اللَّه عليه وسلم كان نائما بالليل متزملا في قطيفة . . . فجاءه جبريل بقوله - تعالى - * ( يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا . . . ) * . وقيل : إن سبب نزول هذه الآيات ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث جابر بن عبد اللَّه أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم قال : جاورت بحراء ، فلما قضيت جواري ، هبطت ، فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئا . . . فرفعت رأسي فإذا الذي جاءني بحراء ، جالس على كرسي بين السماء والأرض . . . فرجعت فقلت : دثروني دثروني ، وفي رواية : فجئت أهلي فقلت : زملوني زملوني ، فأنزل اللَّه - تعالى - : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . . . « 1 » . وجمهور العلماء يقولون : وعلى أثرها نزلت : * ( يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . . . ) * . و * ( الْمُزَّمِّلُ ) * : اسم فاعل من تزمل فلان بثيابه ، إذا تلفف فيها ، وأصله المتزمل ، فأدغمت التاء في الزاي والميم . وافتتح الكلام بالنداء للتنبيه على أهمية ما يلقى على المخاطب من أوامر أو نواه . وفي ندائه صلى اللَّه عليه وسلم بلفظ « المزمل » تلطف معه ، وإيناس لنفسه ، وتحبب إليه ، حتى يزداد نشاطا ، وهو يبلغ رسالة ربه . والمعنى : يا أيها المتزمل بثيابه ، المتلفف فيها ، رهبة مما رآه من عبدنا جبريل . أو هما وغما مما سمعه من المشركين ، من وصفهم له بصفات هو برئ منها . * ( قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ) * أي : قم الليل متعبدا لربك ، * ( إِلَّا قَلِيلًا ) * منه ، على قدر ما تأخذ من راحة لبدنك ، فقوله : * ( إِلَّا قَلِيلًا ) * استثناء من الليل . . . وقوله * ( نِصْفَه ) * بدل من * ( قَلِيلًا ) * بدل كل من كل ، على سبيل التفصيل بعد الإجمال . . .

--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 19 ص 32 تفسير الآلوسي ج 29 ص 101 .