سيد محمد طنطاوي
145
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وجئ بالجملة التي أضيف إليها لفظ « إذا » فعلا ماضيا ، للتنبيه على تحقق الوقوع . والآية الكريمة تشير إلى خيبة هؤلاء الكافرين ، وتلاشى آمالهم . . . فإنهم في هذا اليوم سيفقدون الناصر لهم ، كما أنهم سيفقدونه من جهة أنفسهم ، لأنهم مهما كثر عددهم ، فهم مغلوبون . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله للمرة الرابعة ، أن يعلن للناس أن هذا اليوم الذي يأتي فيه نصر اللَّه للمؤمنين لا يعلمه إلا هو ، فقال - تعالى - : * ( قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ . أَمْ يَجْعَلُ لَه رَبِّي أَمَداً . . . ) * . أي : وقل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين إن نصر اللَّه لنا آت لا ريب فيه ، وعذاب اللَّه لكم آت - أيضا - لا ريب فيه ، ولكني لا أدرى ولا أعلم أيتحقق ذلك في الوقت العاجل القريب ، أم يجعل اللَّه - تعالى - لذلك « أمدا » أي : غاية ومدة معينة من الزمان ، لا يعلم وقتها إلا هو - سبحانه - . والمقصود من الآية الكريمة : بيان أن العذاب نازل بهم قطعا ولكن موعده قد يكون بعد وقت قريب ، وقد يكون بعد وقت بعيد ، لأن تحديد هذا الوقت مرده إلى اللَّه - تعالى - وحده . وقوله - تعالى - بعد ذلك : * ( عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِه أَحَداً ) * تعليل لما قبله . أي : أنا لا أدرى متى يكون عذابكم - أيها الكافرون - لأن مرد علم ذلك إلى اللَّه - تعالى - الذي هو عليم بكل شيء من الظواهر والبواطن ، والذي اقتضت حكمته أن لا يطلع أحدا على غيوبه ، وعلى ما استتر وخفى من أمور خلقه . وقوله : * ( إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّه يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْه ومِنْ خَلْفِه رَصَداً ) * استثناء من النفي في قوله : * ( فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِه أَحَداً ) * . أي : هو - سبحانه - عالم الغيب ، فلا يطلع على غيبه أحدا من خلقه ، إلا الرسول الذي ارتضاه واختاره من خلقه ، فإنه - سبحانه - قد يطلعه على بعض غيوبه ، ليكون ذلك معجزة له ، دالة على صدقه أمام قومه . فإذا ما أراد - سبحانه - اطلاع رسوله المصطفى لحمل رسالته على بعض غيوبه ، سخر له من جميع جوانبه حرسا من الملائكة يحرسونه من وسوسة الشيطان ونوازعه ، ومن كل ما يتعارض مع توصيل وحيه - سبحانه - إلى رسله ، بكل أمانة وصيانة . ومعنى * ( مَنِ ارْتَضى . . . ) * : من اختار واصطفى واجتبى ، وعبر عن ذلك بقوله * ( مَنِ ارْتَضى ) * ، للإشعار بأنه - سبحانه - يخص هؤلاء الذين رضى عنهم ورضوا عنه بالاطلاع على بعض غيوبه ، على سبيل التأييد والتكريم لهم .