سيد محمد طنطاوي
143
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
لإعجابهم بالقرآن الذي سمعوه من النبي صلى اللَّه عليه وسلم لأن هذا هو الظاهر من سياق الآيات ، حيث إن الحديث عنهم ، ولأن الآثار قد وردت في أن الجن قد التفوا حول النبي صلى اللَّه عليه وسلم حين سمعوه يقرأ القرآن . ومن هذه الآثار قول الزبير بن العوام : هم الجن حين استمعوا القرآن من النبي صلى اللَّه عليه وسلم كادوا يركب بعضهم بعضا ازدحاما عليه . . . « 1 » . ثم أمر اللَّه - تعالى - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم أن يعلن لجميع من أرسل إليهم ، أنه لا يعبد أحدا سواه - عز وجل - فقال : * ( قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِه أَحَداً ) * . أي : قل - أيها الرسول الكريم - لجميع من أرسلناك إليهم من الجن والإنس : إني أعبد ربي وحده ، وأتوجه إليه وحده بالدعاء والطلب ، ولا أشرك معه أحدا في عبادتي أو صلاتي أو نسكي . . . وقل لهم ، كذلك : * ( إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا ) * أي : لا أملك ما يضركم * ( ولا رَشَداً ) * أي : ولا أملك ما ينفعكم ، وإنما الذي يملك ذلك هو اللَّه - تعالى - وحده . وقل لهم للمرة الثالثة : * ( إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّه أَحَدٌ ) * أي : إني لن يمنعني أحد من اللَّه - تعالى - إن أرادني بسوء . * ( ولَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِه مُلْتَحَداً ) * أي : ولن أجد من دونه ملجأ أركن إليه . يقال : التحد فلان إلى كذا ، أي : مال إليه . فالآية الكريمة بيان لعجزه صلى اللَّه عليه وسلم عن شؤون نفسه أمام قدرة خالقه - عز وجل - بعد بيان عجزه عن شؤون غيره . وقوله - سبحانه - : * ( إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّه ورِسالاتِه . . . ) * استثناء من مفعول * ( لا أَمْلِكُ ) * ، وهما قوله قبل ذلك : * ( ضَرًّا ولا رَشَداً ) * وما يليهما اعتراض مؤكد لنفى الاستطاعة . أي : قل لهم - أيها الرسول الكريم - إني لا أملك ما يضركم ولا أملك ما ينفعكم ، وإنما الذي أملكه هو تبليغ رسالات ربي إليكم ، بأمانة واجتهاد . والبلاغ : مصدر بلَّغ ، وهو إيصال الكلام أو الحديث إلى الغير ، ويطلق على الكلام المبلغ من إطلاق المصدر على المفعول ، مثل : « هذا خلق اللَّه » ، و « من » ابتدائية صفة لقوله : « بلاغا » أي : بلاغا كائنا من جهة اللَّه - تعالى - وأمره . والرسالات : جمع رسالة ، وهي
--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 19 ص 43 . وتفسير ابن كثير ج 7 ص 271 .