سيد محمد طنطاوي
123
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وبأتباعه ، وإيهامهم لهؤلاء السفلة أنهم على الحق ، وأن نوحا ومن معه على الباطل . وكان من مظاهر مكرهم - أيضا - ما حكاه القرآن بعد ذلك عنهم في قوله : * ( وقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ولا تَذَرُنَّ وَدًّا ولا سُواعاً ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْراً ) * . أي : ومن مظاهر مكر هؤلاء الرؤساء أنهم قالوا لأتباعهم . احذروا أن تتركوا عبادة آلهتكم ، التي وجدتم على عبادتها آباءكم ، واحذروا أيضا أن تتركوا عبادة هذه الأصنام الخمسة بصفة خاصة ، وهي : ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرا . قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : وهذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون اللَّه . فقد روى البخاري عن ابن عباس : صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد ، أما « ود » فكانت لقبيلة بنى كلب بدومة الجندل . وأما « سواع » فكانت لهذيل ، وأما « يغوث » فكانت لبنى غطيف ، وأما « يعوق » فكانت لهمدان ، وأما « نسر » فكانت لحمير . وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح - عليه السلام - فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم ، أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون عليها أنصابا ، وسموها بأسمائهم ، ففعلوا . وقال ابن جرير : كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح ، وكان لهم أتباع يقتدون بهم ، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم : لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم ، فصوروهم ، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال : إنما كانوا يعبدونهم ، وبهم يسقون المطر . فعبدوهم . « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( وقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً ، ولا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا ) * معمول لقول مقدر ، وهذا القول المقدر معطوف على أقوال نوح السابقة . أي : قال نوح مناجيا ربه بعد أن يئس من إيمان قومه : يا رب ، إن قومي قد عصوني ، وإنهم قد اتبعوا رؤساءهم المغرورين ، وإن هؤلاء الرؤساء قد مكروا بي وبأتباعى مكرا عظيما ، ومن مظاهر مكرهم أنهم حرضوا السفهاء على العكوف على عبادة أصنامهم . . وأنهم قد أضلوا خلقا كثيرا بأن حببوهم في الكفر وكرهوا إليهم الإيمان . وقال نوح - أيضا - وأسألك يا رب أن لا تزيد الكافرين إلا ضلالا على ضلالهم ، فأنت الذي أخبرتني بأنه لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 8 ص 262 .