سيد محمد طنطاوي

115

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فهي - أولا - جاءت بصيغة « كلما » الدالة على شمول كل دعوة وجهها إليهم نبيهم نوح - عليه السلام - أي : في كل وقت أدعوهم إلى الهدى يكون منهم الإعراض . وهي - ثانيا - عبرت عن عدم استماعهم إليه بقوله - تعالى - : * ( جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ ) * . وعبر عن الأنامل بالأصابع على سبيل المبالغة في إرادة سد المسامع ، فكأنهم لو أمكنهم إدخال أصابعهم جميعها في آذانهم لفعلوا . حتى لا يسمعوا شيئا مما يقوله نبيهم لهم . فإطلاق اسم الأصابع على الأنامل من باب المجاز المرسل ، لعلاقة البعضية ، حيث أطلق - سبحانه - الكل وأراد البعض ، مبالغة في كراهيتهم لسماع كلمة الحق . وهي - ثالثا - عبرت عن كراهيتهم لنبيهم ومرشدهم بقوله - تعالى - : * ( واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ ) * أي : بالغوا في التّغطَّى بها ، حتى لكأنهم قد طلبوا منها أن تلفهم بداخلها حتى لا يتسنى لهم رؤيته إطلاقا . وهذا كناية عن العداوة الشديدة ، ومنه قول القائل : لبس لي فلان ثياب العداوة . وهي - رابعا - قد بينت بأنهم لم يكتفوا بكل ذلك ، بل أضافوا إليه الإصرار على الكفر - وهو التشديد فيه ، والامتناع من الإقلاع عنه مأخوذ من الصرّة بمعنى الشدة - والاستكبار العظيم عن الاستجابة للحق . فقد أفادت هذه الآية ، أنهم عصوا نوحا وخالفوه مخالفة ليس هناك ما هو أقبح منها ظاهرا ، حيث عطلوا أسماعهم وأبصارهم ، وليس هناك ما هو أقبح منها باطنا ، حيث أصروا على كفرهم ، واستكبروا على اتباع الحق . ومع كل هذا الإعراض والعناد . . فقد حكت لنا الآيات بعد ذلك ، أن نوحا - عليه السلام - قد واصل دعوته لهم بشتى الأساليب . فقال - كما حكى القرآن عنه - : * ( ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ) * . وقوله : * ( جِهاراً ) * صفة لمصدر محذوف ، أي : دعوتهم دعاء جهارا . أي : مجاهرا لهم بدعوتي ، بحيث صارت دعوتي لهم أمامهم جميعا . * ( ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ ) * تارة * ( وأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً ) * تارة أخرى . أي : أنه - عليه السلام - توخى ما يظنه يؤدى إلى نجاح دعوته ، وراعى أحوالهم في ذلك ، فهو تارة يدعوهم جهرا ، وتارة يدعوهم سرا ، وتارة يجمع بين الأمرين . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : ذكر أنه دعاهم ليلا ونهارا ، ثم دعاهم جهارا ، ثم