سيد محمد طنطاوي

112

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

تتعلق بحقوق اللَّه - تعالى - دون حقوق العباد . ويرى بعضهم أن « من » هنا زائدة لتوكيد هذه المغفرة . أي : يغفر لكم جميع ذنوبكم التي فرطت منكم ، متى آمنتم واتقيتم ربكم ، وأطعتم نبيكم . * ( ويُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) * أي : ويؤخر آجالكم إلى وقت معين عنده - سبحانه - ، ويبارك لكم فيها ، بأن يجعلها عامرة بالعمل الصالح ، وبالحياة الآمنة الطيبة . فأنت ترى أن نوحا - عليه السلام - قد وعدهم بالخير الأخروى وهو مغفرة الذنوب يوم القيامة ، وبالخير الدنيوي وهو البركة في أعمارهم . وطول البقاء في هناء وسلام . قال ابن كثير : * ( ويُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) * أي : ويمد في أعماركم ، ويدرأ عنكم العذاب ، الذي إذا لم تنزجروا عما أنهاكم عنه : أوقعه - سبحانه - بكم . وقد يستدل بهذه الآية من يقول : إن الطاعة والبر وصلة الرحم . يزاد بها في العمر حقيقة ، كما ورد به الحديث : « صلة الرحم تزيد في العمر » « 1 » . وقوله : * ( إِنَّ أَجَلَ اللَّه إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * بمنزلة التعليل لما قبله . أي : يغفر لكم - سبحانه - من ذنوبكم ، ويؤخركم إلى أجل معين عنده - تعالى - إن الوقت الذي حدده اللَّه - عز وجل - لانتهاء أعماركم ، متى حضر ، لا يؤخر عن موعده ، * ( لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * أي : لو كنتم من أهل العلم لاستجبتم لنصائحى ، وامتثلتم أمرى ، وبذلك تنجون من العقاب الدنيوي والأخروى . قال الآلوسي : قوله * ( لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * . أي : لو كنتم من أهل العلم لسارعتم لما آمركم به . لكنكم لستم من أهله في شيء ، لذا لم تسارعوا ، فجواب لو مما يتعلق بأول الكلام . ويجوز أن يكون مما يتعلق بآخره . أي : لو كنتم من أهل العلم لعلمتم ذلك ، أي : عدم تأخير الأجل إذا جاء وقته المقدر له . والفعل في الوجهين منزل منزلة اللازم . . « 2 » . ثم قصت علينا الآيات الكريمة بعد ذلك ، ما قاله نوح لربه . على سبيل الشكوى والضراعة ، وما وجهه إلى قومه من نصائح فيها ما فيها من الترغيب والترهيب ، ومن الإرشاد الحكيم ، والتوجيه السديد . . قال - تعالى - :

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 8 ص 258 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 29 ص 71 .