سيد محمد طنطاوي
105
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقدم - سبحانه - الظرف * ( قِبَلَكَ ) * الذي بمعنى جهتك ، على قوله * ( مُهْطِعِينَ ) * للاهتمام ، حيث إن مقصدهم الأساسي من الإسراع هو الاتجاه نحو النبي صلى اللَّه عليه وسلم للاستهزاء به وبأصحابه . والمراد بقوله : * ( عَنِ الْيَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ ) * : جميع الجهات ، إلا أنه عبر بهاتين الجهتين ، لأنهما الجهتان اللتان يغلب الجلوس فيهما حول الشخص . وقوله : * ( عِزِينَ ) * تصوير بديع لالتفافهم من حوله جماعات متفرقة في مشاربها ، وفي مآربها ، وفي طباعها . والاستفهام في قوله - تعالى - * ( أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ) * للنفي والإنكار . أي : أيطمع كل واحد من هؤلاء الكافرين أن يدخل الجنة التي هي محل نعيمنا وكرامتنا بدون إيمان صادق ، وبدون عمل نافع . . ؟ وقوله - سبحانه - * ( كَلَّا ) * ردع لهم وزجر عن هذا الطمع ، أي : كلا ليس الأمر كما يزعمون من أنهم سيدخلون الجنة قبل المؤمنين أو معهم أو بعدهم . . وإنما هم سيكون مأواهم جهنم وبئس المصير . وقال - سبحانه - : * ( أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ ) * ولم يقل : أيطمعون أن يدخلوا الجنة ، للإشعار بأن كل واحد من هؤلاء الكافرين كان طامعا في دخولها ، لاستيلاء الغرور والجهالة على قلبه . وجملة * ( إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ) * تأكيد لهذا الردع والزجر ، وتهوين من شأنهم ، وإبطال لغرورهم ، وتنكيس لخيلائهم بأسلوب بديع مهذب . . لأنه مما لا شك فيه أنهم يعلمون أنهم قد خلقوا من ماء مهين ، ومن كان كذلك فلا يليق به - متى كان عاقلا - أن يغتر أو يتطاول . قال صاحب الكشاف ما ملخصه : ويجوز أن يراد بقوله : * ( إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ) * أي : من النطفة المذرة ، وهي منصبهم الذي لا منصب أوضع منه . ولذلك أبهم وأخفى : إشعارا بأنه منصب يستحيا من ذكره ، فمن أين يتشرفون ويدعون التقدم ، ويقولون : لندخلن الجنة قبلهم . وقيل : معناه إنا خلقناهم من نطفة كما خلقنا بني آدم كلهم ، ومن حكمنا أن لا يدخل أحد الجنة ، إلا بالإيمان والعمل الصالح ، فكيف يطمع في دخولها من ليس له إيمان وعمل « 1 » .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 614 .