سيد محمد طنطاوي

103

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ختمها بمدح الذين يحافظون عليها فقال : * ( والَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ) * أي : يؤدونها كاملة غير منقوصة . لا في خشوعها ، ولا في القراءة فيها ، ولا في شيء من أركانها وسننها . وهذا الافتتاح والختام ، يدل على شرفها وعلو قدرها ، واهتمام الشارع بشأنها . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قال : * ( عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ) * ثم * ( عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ) * ؟ . قلت : معنى دوامهم عليها ، أن يواظبوا على أدائها ، لا يخلون بها ، ولا يشتغلون عنها بشيء من الشواغل . ومحافظتهم عليها : أن يراعوا إسباغ الوضوء لها ، ومواقيتها ، وسننها ، وآدابها . . فالدوام يرجع إلى نفس الصلاة ، والمحافظة تعود إلى أحوالها « 1 » . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد وصف هؤلاء المؤمنين الصادقين ، الذين حماهم - سبحانه - من صفة الهلع . . وصفهم بثماني صفات كريمة ، منها : المداومة على الصلاة ، والمحافظة على الإنفاق في وجوه الخير ، والتصديق بيوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب ، والحفظ لفروجهم ، وأداء الأمانات والشهادات . ثم بين - سبحانه - ما أعده لهم من عطاء جزيل فقال : * ( أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ) * أي : أولئك المتصفون بذلك في جنات عظيمة ، يستقبلون فيها بالتعظيم والحفاوة . . حيث تقول لهم الملائكة : سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ . وبعد هذه الصورة المشرقة لهؤلاء المكرمين . . أخذت السورة في تصوير موقف المشركين من دعوة الرسول صلى اللَّه عليه وسلم إياهم إلى الحق ، وفي تسليته عما لحقه منهم من أذى ، وفي بيان أحوالهم السيئة عندما يعرضون للحساب . . فقال - تعالى - . [ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 36 إلى 44 ] فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ( 36 ) عَنِ الْيَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ ( 37 ) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ( 38 ) كَلَّا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ( 39 ) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ والْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ ( 40 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 41 ) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 42 ) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ( 43 ) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ( 44 )

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 612 .