سيد محمد طنطاوي

96

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

هذه الأحاديث ما رواه البزار عن أنس أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم خطب أصحابه ذات يوم ، وقد كادت الشمس أن تغرب . . فقال : « والذي نفسي بيده ما بقي من الدنيا فيما مضى منها ، إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه » . وروى الشيخان عن سهل بن سعد قال : سمعت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقول : « بعثت أنا والساعة هكذا » وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى . . « 1 » . وشبيه بهذا الافتتاح قوله - تعالى - : في مطلع سورة الأنبياء : اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ . وقوله - سبحانه - في افتتاح سورة النحل : أَتى أَمْرُ اللَّه فَلا تَسْتَعْجِلُوه ، سُبْحانَه وتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ . والمقصود من هذا الافتتاح المتحدث عن قرب يوم القيامة ، تذكير الناس بأهوال هذا اليوم ، وحضهم على حسن الاستعداد لاستقباله عن طريق الإيمان والعمل الصالح . وقوله - تعالى - : * ( وانْشَقَّ الْقَمَرُ ) * معطوف على ما قبله عطف جملة على جملة . وقوله : * ( وانْشَقَّ ) * من الانشقاق بمعنى الافتراق والانفصال . أي : اقترب وقت قيام الساعة ، وانفصل وانفلق القمر بعضه عن بعض فلقتين ، معجزة للنبي صلى اللَّه عليه وسلم ، وكان ذلك بمكة قبل هجرته صلى اللَّه عليه وسلم بنحو خمس سنين ، وقد رأى هذا الانشقاق كثير من الناس . . وقد ذكر المفسرون كثيرا من الأحاديث في هذا الشأن ، وقد بلغت الأحاديث مبلغ التواتر المعنوي . . قال الإمام ابن كثير : وهذا أمر متفق عليه بين العلماء - أي : انشقاق القمر - ، فقد وقع في زمان النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات . ثم ذكر - رحمه اللَّه - جملة من الأحاديث التي وردت في ذلك ، ومنها ما رواه الشيخان عن أنس بن مالك قال : سأل أهل مكة النبي صلى اللَّه عليه وسلم آية ، فانشق القمر بمكة مرتين ، فقال : * ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ الْقَمَرُ ) * . وأخرج الإمام أحمد عن جبير بن مطعم عن أبيه قال : انشق القمر على عهد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فصار فلقتين : فلقة على هذا الجبل وفلقة على هذا الجبل . فقالوا : سحرنا محمد ،

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 261 .