سيد محمد طنطاوي

86

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وحذف - سبحانه - المفعول به لهما ، لأنهما هما المقصودان بالذات ، لدلالتهما على كمال قدرته - تعالى - أي : وأنه وحده - عز وجل - هو الذي أوجد في الإنسان الضحك والبكاء ، فالفعلان منزلان منزلة الفعل اللازم . وقدم - سبحانه - الضحك على البكاء ، للإشعار بمزيد فضله ومنته على عباده . وقوله : * ( وأَنَّه هُوَ أَماتَ وأَحْيا ) * أي : وأنه - تعالى - بقدرته وحدها ، هو الذي أحيا من يريد إحياءه من مخلوقاته ، وأمات من يريد إماتته منهم . وهذا رد على أولئك الجاهلين الذين أنكروا ذلك ، وقالوا - كما حكى القرآن عنهم - . . . ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا ، وما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ . . « 1 » . وقوله - سبحانه - * ( وأَنَّه خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى ، مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى ) * . وأصل النطفة : الماء الصافي ، أو القليل من الماء الذي يبقى في الدلو أو القربة ، وجمعها نطف ونطاف ، يقال : نطفت القربة ، إذا تقاطر ماؤها بقلة . وقوله : * ( تُمْنى ) * أي : تتدفق في رحم المرأة ، يقال : أمنى الرجل ومنى إذا خرج منه المنىّ . أي : وأنه - تعالى - وحده ، هو الذي خلق الزوجين الكائنين من الذكر والأنثى ، من نطفة تتدفق من الرجل إلى رحم الأنثى ، فتلتقى ببويضة الأنثى ، فيكون منهما الإنسان - بإذن اللَّه - . كما قال - تعالى - : أَيَحْسَبُ الإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً . أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى . ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ مِنْه الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى . أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( وأَنَّ عَلَيْه النَّشْأَةَ الأُخْرى ) * أي : وأن عليه وحده - سبحانه - الإحياء بعد الإماتة ، والإعادة إلى الحياة مرة أخرى يوم البعث والنشور . والنشأة هي المرة من الإنشاء ، أي : الإيجاد والتكوين والخلق ، والأخرى : مؤنث الأخير ، والمراد أنه - سبحانه - يوجد النشأة التي لا نشأة بعدها . وقوله : * ( وأَنَّه هُوَ أَغْنى وأَقْنى ) * أي : وأنه - سبحانه - هو الذي أغنى الناس بالأموال الكثيرة المؤثلة ، التي يقتنيها الناس ويحتفظون بها لأنفسهم ولمن بعدهم .

--> ( 1 ) سورة الجاثية الآية 24 . ( 2 ) سورة القيامة الآيات من 36 إلى 40 .