سيد محمد طنطاوي

83

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

صلى اللَّه عليه وسلم أمته ، ولا حثهم عليه ، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء ، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة ، ولو كان خيرا لسبقونا إليه ، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء . فأما الدعاء والصدقة ، فذاك مجمع على وصولهما ، ومنصوص من الشارع عليهما . وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم « إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : ولد صالح يدعو له ، أو صدقة جارية من بعده ، أو علم ينتفع به » . فهذه الثلاثة في الحقيقة . هي من سعيه وكده وعمله « 1 » . وقال الجمل في حاشيته على الجلالين : واستشكل الحصر في هذه الآية * ( وأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) * بقوله - تعالى - في آية أخرى : والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ . . . وبالأحاديث الواردة في ذلك كحديث : « إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث . . . » . وأجيب : بأنها مخصوصة بقوم إبراهيم وموسى ، لأنها حكاية لما في صحفهم ، وأما هذه الأمة فلها ما سعت هي ، وما سعى لها غيرها ، لما صح من أن لكل نبي وصالح شفاعة . وهو انتفاع بعمل الغير ، ومن تأمل النصوص وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى ، فلا يجوز أن تؤول الآية على خلاف الكتاب والسنة واجتماع الأمة ، وحينئذ فالظاهر أن الآية عامة ، قد خصصت بأمور كثيرة . . . ثم قال الشيخ الجمل - رحمه اللَّه - : وقال الشيخ تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية : من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله . فقد خرق الإجماع . وذلك باطل من وجوه كثيرة : أحدها : أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره . وهو انتفاع بعمل الغير . ثانيها : أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم يشفع لأهل الموقف في الحساب ثم لأهل الجنة في دخولها . ثالثها : أنه صلى اللَّه عليه وسلم يشفع لأهل الكبائر في الخروج من النار ، وهذا انتفاع بسعي الغير . رابعها : أن الملائكة يستغفرون ويدعون لمن في الأرض ، وذلك منفعة بعمل الغير . خامسها : أن اللَّه - تعالى - يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط - أي من المؤمنين - بمحض رحمته ، وهذا انتفاع بغير عملهم .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 4 ص 358 .