سيد محمد طنطاوي
81
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقدم - سبحانه - الظرف « عنده » وهو مسند ، على « علم الغيب » وهو مسند إليه ، لإفادة الاهتمام بهذه العندية التي من أعجب العجب ادعاؤها ، وللإشعار بأنه بعيد عنها بعد الأرض عن السماء . والفاء في قوله : * ( فَهُوَ يَرى ) * للسببية ، ومفعول * ( يَرى ) * محذوف . أي : فهو بسبب معرفته للعوالم الغيبية ، يبصر رفع العذاب عنه ، ويعلم أن غيره سيتكفل بافتدائه من هذا العذاب . ثم وبخه - سبحانه - على جهالته وعدم فهمه فقال : * ( أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى ، وإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ، أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى . . . ) * . و « أم » هنا للإضراب الانتقالى من ذمه على إعراضه وبخله ، إلى ذمه على جهله وحمقه ، وصحف موسى : هي التوراة التي أنزلها - سبحانه - عليه . وصحف إبراهيم : هي الصحف التي أوحى اللَّه - تعالى - إليه بما فيها ، وقد ذكر سبحانه ذلك في قوله تعالى : إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الأُولى ، صُحُفِ إِبْراهِيمَ ومُوسى . وخصت صحف هذين النبيين الكريمين بالذكر ، لأنها كانت أشهر من غيرها عند العرب ، وكانوا يسألون أهل الكتاب من اليهود عما خفى عليهم من صحف موسى . وقدم - سبحانه - هنا صحف موسى ، لاشتهارها بسعة الأحكام التي اشتملت عليها ، بالنسبة لما وصل إليهم من صحف إبراهيم . وأما في سورة الأعلى فقدمت صحف إبراهيم على صحف موسى لوقوعهما بدلا من الصحف الأولى ، وصحف إبراهيم أقدم من صحف موسى ، فكان الإتيان بهما على الترتيب الزمنى أنسب بالمقام . وحذف - سبحانه - متعلق « ووفّى » ليتناول كل ما يجب الوفاء به ، كمحافظته على أداء حقوق اللَّه - تعالى - ، واجتهاده في تبليغ الرسالة التي كلفه - سبحانه - بتبليغها ، ووقوفه عند الأوامر التي أمره - تعالى - بها ، وعند النواهي التي نهاه عنها . . . وأن في قوله - تعالى - : * ( أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) * مخففة من الثقيلة . واسمها ضمير الشأن محذوف ، والجملة بدل من صحف موسى وإبراهيم . وقوله * ( تَزِرُ ) * من الوزر بمعنى الحمل . . وقوله * ( وازِرَةٌ ) * صفة لموصوف محذوف . أي : نفس وازرة . والمعنى : إذا كان هذا الإنسان المتولى عن الحق . . جاهلا بكل ما يجب العلم به من شؤون