سيد محمد طنطاوي

75

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ولأفكارهم ، وتهوين من شأنهم . . أي : ذلك الذي تراه منهم من التولي عن قرآننا ، ومن الحرص على عرض الحياة الدنيا ، منتهى علمهم ، ولا علم سواه . . . فاسم الإشارة « ذلك » يعود إلى المفهوم من الكلام السابق وهو توليهم عن القرآن الكريم ، وتكالبهم على الحياة الدنيا . . وفي هذه الجملة المعترضة ما فيها من تحقير أمرهم ، ومن الازدراء بعلمهم الذي أدى بهم إلى إيثار الشر على الخير ، والعاجلة على الآجلة . . . وقوله - سبحانه - : * ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِه . . . ) * تعليل للأمر بالإعراض عنهم ، والإهمال لشأنهم ، وتسلية أخرى له صلى اللَّه عليه وسلم . أي : امض - أيها الرسول الكريم - في طريقك ، وأعرض عن هؤلاء الجاحدين المعاندين ، الذين أصروا على عدم الاستجابة لك ، بعد أن سلكت معهم كل وسيلة تهديهم إلى الحق . . . إن ربك - أيها الرسول الكريم - هو أعلم بمن أصر من الناس على الضلال ، وهو - سبحانه - أعلم بمن شأنه الاهتداء ، والاستجابة للحق . . والمراد بالعلم هنا لازمه ، أي : ما يترتب عليه من ثواب وعقاب ، ثواب للمؤمنين ، وعقاب للكافرين . وكرر - سبحانه - قوله * ( هُوَ أَعْلَمُ ) * لزيادة التقرير ، والمراد بمن ضل : من أصر على الضلال ، وبمن اهتدى : من عنده الاستعداد لقبول الحق والهداية . وقدم - سبحانه - من ضل على من اهتدى هنا ، لأن الحديث السابق واللاحق معظمه عن المشركين ، الذين عبدوا من دون اللَّه - تعالى - أصناما لا تضر ولا تنفع . . وضمير الفصل في قوله - سبحانه - * ( هُوَ أَعْلَمُ ) * لتأكيد هذا العلم ، وقصره عليه - سبحانه - قصرا حقيقيا ، إذ هو - تعالى - الذي يعلم دخائل النفوس ، وغيره لا يعلم . ثم بين - سبحانه - ما يدل على شمول ملكه لكل شيء فقال : * ( ولِلَّه ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ . . ) * . أي : وللَّه - تعالى - وحده جميع ما في السماوات وما في الأرض خلقا ، وملكا ، وتصرفا . . . واللام في قوله : * ( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا ، ويَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) * متعلقة بمحذوف يدل عليه الكلام السابق . أي : فعل ما فعل - سبحانه - من خلقه للسموات والأرض وما فيهما ، ليجزي يوم