سيد محمد طنطاوي

73

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

لينالوا رضاه عنهم يوم القيامة ، وليكونوا أهلا للحصول على الشفاعة التي يبغونها . ثم عادت السورة إلى ذم الكافرين الذين وصفوا الملائكة بصفات لا تليق بهم . فقال - تعالى - : * ( إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ) * وما فيها من حساب وجزاء وثواب وعقاب . . . * ( لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى ) * ، أي : ليصفون الملائكة بوصف الإناث فيقولون : الملائكة بنات اللَّه كما قال - تعالى - : وجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ، سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ ويُسْئَلُونَ « 1 » . ولفظ : « الملائكة » هنا في معنى استغراق كل فرد ، أي : ليسمون كل واحد منهم ويصفونه بصفة الأنوثة . وقوله - سبحانه : * ( وما لَهُمْ بِه مِنْ عِلْمٍ ، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ . . . ) * رد عليهم فيما قالوه ، وتجهيل لهم فيما زعموه ، والجملة حال من ضمير « ليسمون » . أي : إنهم ليصفون الملائكة بالأنوثة ، والحال أنهم لا علم لهم بتكوين هؤلاء الملائكة ، أو بصفتهم . . وإنما يتبعون الظن الباطل في أقوالهم وأحكامهم . . * ( . . وإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ) * أي : وإن الظن الباطل ، والاعتقاد الخاطئ لا يغنى في معرفة الحق شيئا ، حتى ولو كان هذا الشيء قليلا ، لأن العقائد السليمة ، لا تبنى على الظنون والأوهام ، وإنما تبنى على الحقائق الراسخة والعلوم الثابتة . وأظهر - سبحانه - لفظ الظن هنا ، مع تقدم ذكره لتكون الجملة مستقلة بنفسها ، ولتكون - أيضا - بمثابة المثل الذي يقال في الموضع الذي يناسبه . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد وبخت المشركين على شركهم بأسلوب منطقي سليم ، حيث ساقت لهم الحقائق في أسلوب يغلب عليه طابع الموازنة والمقارنة ، والاستشهاد بالواقع ، ووضع أيديهم على أماكن الدواء ، لو كانوا ممن يريدونه ، ويبحثون عنه . وبعد هذا البيان الحكيم الذي يحق الحق ، ويبطل الباطل ، أمر اللَّه - تعالى - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم أن يمضى في طريقه الذي رسمه - سبحانه - له ، وأن يترك حساب هؤلاء الضالين للَّه - تعالى - الذي يجازى كل نفس بما كسبت ، والذي يعلم السر وأخفى ، والذي رحمته وسعت كل شيء . . . فقال - تعالى - :

--> ( 1 ) سورة الزخرف الآية 19 .