سيد محمد طنطاوي

66

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أكرمناه برؤيتها ليزداد يقينا على يقينه ، وثباتا على ثباته ، وقوة على قوته في تبليغ رسالتنا ، وحمل أمانتنا . هذا ، وقد جرينا في تفسيرنا لهذه الآيات على الرأي الذي سار عليه المحققون من العلماء وهو أن هذه الآيات تحكى رؤية النبي صلى اللَّه عليه وسلم لجبريل مرتين ، كما سبق أن بينا ، وأن الضمائر في تلك الآيات منها ما يرجع إلى جبريل ، ومنها ما يرجع إلى اللَّه - عز وجل - . وقد أعدنا كل ضمير إلى مرجعه الذي نراه مناسبا للمقام . . . فمثلا : الضمير المنصوب في قوله - تعالى - : * ( ولَقَدْ رَآه نَزْلَةً أُخْرى ) * قلنا : إنه يعود إلى جبريل . أي : أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم رأى جبريل على هيئته التي خلقه اللَّه عليها مرة أخرى ، غير المرة الأولى التي كانت في أوائل بعثته صلى اللَّه عليه وسلم . ولكن بعض المفسرين يرون أن مرجع الضمير في هذه الآية وغيرها ، يعود إلى اللَّه - تعالى - ، ويستدلون بذلك على أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم رأى ربه . وقد فصل القول في هذه المسألة الإمام الآلوسي فقال ما ملخصه : فالضمائر في « دنا » « وتدلى » « وأوحى . . » وكذلك الضمير المنصوب في « رآه » للَّه - عز وجل - . . واستدل بذلك مثبتو رؤية النبي صلى اللَّه عليه وسلم للَّه - عز وجل - كابن عباس وغيره . . وخالفت في ذلك عائشة - رضى اللَّه عنها - فقد أخرج مسلم عن مسروق قال : كنت عند عائشة فقالت : ثلاث من تكلم بواحدة منهن ، فقد أعظم على اللَّه - تعالى - الفرية . قلت : ما هن ؟ قالت : من زعم أن محمدا يعلم الغيب فقد كذب ، ومن زعم أن محمدا كتم شيئا فقد كذب ، ومن زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على اللَّه الفرية ، فقلت : يا أم المؤمنين : ألم يقل اللَّه - تعالى - : * ( ولَقَدْ رَآه نَزْلَةً أُخْرى ) * ؟ . فقالت : أنا أول من سأل رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم عن ذلك فقال : « لا ، إنما هو جبريل ، لم أره على صورته التي خلق عليها سوى هاتين المرتين . رأيته منهبطا من السماء سادا ما بين السماء إلى الأرض » . ثم قال الآلوسي : ولا يخفى أن جواب الرسول صلى اللَّه عليه وسلم على عائشة ، ظاهر في أن الضمير المنصوب في * ( رَآه ) * ليس راجعا إليه - تعالى - ، بل إلى جبريل - عليه السلام - . . « 1 » . والمتأمل في هذه الآيات الكريمة يراها ترد على المشركين مزاعمهم ، بأبلغ أسلوب ، وأقوى

--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 27 ص 52 وابن كثير ج 4 ص 248 وما بعدها .