سيد محمد طنطاوي

56

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

4 - ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن الآلهة المزعومة فبينت أن هذه الآلهة إنما هي أسماء أطلقها الجاهلون عليها ، دون أن يكون لها أدنى نصيب من الصحة ، وأن العبادة إنما تكون للَّه وحده . قال - سبحانه - : أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ والْعُزَّى . ومَناةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرى . أَلَكُمُ الذَّكَرُ ولَه الأُنْثى . تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى . إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّه بِها مِنْ سُلْطانٍ . 5 - ثم أرشد اللَّه - تعالى - رسوله صلى اللَّه عليه وسلم إلى الطريق الحكيم الذي يجب عليه أن يسلكه في دعوته ، وسلاه عما لحقه من المشركين من أذى ، فقال - سبحانه - : فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ، ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِه وهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى . 6 - وبعد أن ساق - سبحانه - جانبا من مظاهر رحمته بعباده الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإِثْمِ والْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ أتبع ذلك ببيان مظاهر عدله في خلقه ، وقدرته على كل شيء ، وساق ما يشهد لذلك من أخبار الغابرين المكذبين الذين لا يخفى حالهم على المشركين المعاصرين للنبي صلى اللَّه عليه وسلم ، وأنذر هؤلاء المشركين بسوء المصير ، إذا لم يعودوا إلى الحق ، ويكفوا عن جحودهم وعنادهم . . قال - تعالى - : هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى . أَزِفَتِ الآزِفَةُ . لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّه كاشِفَةٌ . أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ . وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ . وأَنْتُمْ سامِدُونَ . فَاسْجُدُوا لِلَّه واعْبُدُوا . 7 - هذا ، والمتأمل في هذه السورة الكريمة يراها بجانب إقامتها الأدلة الساطعة على وحدانية اللَّه - تعالى - وعلى صدق النبي صلى اللَّه عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه يراها بجانب ذلك قد ساقت ما ساقت من براهين واضحة ، ومن توجيهات حكيمة . . بأسلوب بليغ أخاذ ، له لفظه المنتقى ، ومعناه السديد ، وتراكيبه الموزونة وزنا بديعا . . . مما يشهد بأن هذا القرآن من عند اللَّه ، ولو كان من عند غير اللَّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا . نسأل اللَّه - تعالى - أن يجعل القرآن ربيع حياتنا ، وأنس نفوسنا ، وصلى اللَّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . دولة قطر - الدوحة مساء السبت 20 جمادى الآخرة 1406 ه 1 / 3 / 1986 م د . محمد سيد طنطاوي