سيد محمد طنطاوي

485

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

بالإفراد ، على أن المراد به جنس الكتب ، أو الإنجيل الذي أنزله - سبحانه - على ابنها عيسى . و * ( مِنْ ) * في قوله - تعالى - : * ( وكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ ) * للابتداء ، أي : وكانت من نسل الرجال القانتين ، الذين بذلوا أقصى جهدهم في طاعة اللَّه - تعالى - ، وفي إخلاص العبادة له . ويصح أن تكون * ( مِنْ ) * للتبعيض . أي : وكانت من عداد المواظبين على الطاعة ، وجئ بجمع الذكور على سبيل التغليب ، وللإشعار بأن طاعتها لا تقل عن طاعة الرجال ، الذين بلغوا الغاية في المواظبة على طاعة اللَّه - تعالى - . وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد اشتملت على ثلاثة أمثال : مثل للكافرين ، ومثلين للمؤمنين . وقد تضمن مثل الكفار ، أن الكافر يعاقب على كفره ، دون أن ينفعه ما بينه وبين المؤمنين من قرابة أو نسب . . كما حدث لامرأة نوح وامرأة لوط . . وأما المثلان اللذان للمؤمنين ، فقد تضمنا أن اتصال المؤمن بالكافر ، لا يضره شيئا إذا فارقه في كفره وعمله . . . وقد وضح صاحب الكشاف هذا المعنى فقال : ما ملخصه مثّل اللَّه - تعالى - حال الكفار ، في أنهم يعاقبون على كفرهم وعداوتهم للمؤمنين . . دون أن ينفعهم ما بينهم وبينهم من صلة أو قرابة - بحال امرأة نوح وامرأة لوط : فإنهما لما نافقتا وخانتا الرسولين . لم يغن عنهما ما بينهما وبينهما من وصلة الزواج شيئا . . ومثل حال المؤمنين - في أن وصلة الكافرين لا تضرهم . ولا تنقص شيئا من ثوابهم وزلفاهم عند اللَّه - بحال امرأة فرعون ، فإنها مع كونها زوجة أعدى أعداء اللَّه ، فإنها بسبب إيمانها قد رفع منزلتها عنده . . وبحال مريم ابنة عمران ، فقد أعطاها اللَّه ما أعطاها من الكرامة . . مع أن قومها كانوا كافرين . . . وفي طي هذين التمثيلين تعريض بأمى المؤمنين المذكورتين في أول السورة ، وما فرط منهما من التظاهر على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بما كرهه ، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده . . . وإشارة إلى أن من حقهما أن تكونا في الإخلاص والكمال فيه ، كمثل هاتين المؤمنتين ، وأن لا تتكلا على أنهما زوجا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فإن ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مخلصتين . .