سيد محمد طنطاوي

479

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( لا يُخْزِي ) * من الخزي بمعنى الافتضاح : يقال أخزى اللَّه فلانا إذا فضحه ، والمراد به هنا : عذاب النار . وقوله : * ( والَّذِينَ آمَنُوا مَعَه ) * معطوف على النبي ، وجملة * ( نُورُهُمْ يَسْعى ) * مستأنفة . أي : يدخلكم اللَّه - بفضله وكرمه - * ( جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ) * يوم القيامة ، يوم ينجى - سبحانه - النبي صلى اللَّه عليه وسلم وينجى الذين آمنوا معه من عذاب النار ، ومن خزي هذا اليوم العصيب . وهم جميعا وعلى رأسهم الرسول صلى اللَّه عليه وسلم نورهم وهم على الصراط ، يسعى ويمتد وينتشر * ( بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) * . أي أمامهم * ( وبِأَيْمانِهِمْ ) * أي : وعن أيمانهم . ويقولون - على سبيل الحمد والشكر للَّه - تعالى - يا ربنا * ( أَتْمِمْ لَنا نُورَنا ) * بأن تزيده ولا تنقصه حتى ندخل جنتك . * ( واغْفِرْ لَنا ) * يا ربنا ذنوبنا * ( إِنَّكَ ) * يا ربنا ، * ( عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * . وفي عطف الذين آمنوا على النبي صلى اللَّه عليه وسلم إشعار بأن سبب انتفاء خزيهم ، هو إيمانهم الصادق ، وعملهم الصالح ، وصحبتهم الكريمة للنبي صلى اللَّه عليه وسلم . والضمير في قوله * ( نُورُهُمْ ) * يعود إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم والذين آمنوا معه . وخص - سبحانه - الأمام واليمين بالذكر ، لفضل هذين المكانين ، إذ النور عندما يكون من الأمام يستمتع الإنسان بمشاهدته ، وعند ما يكون من جهة اليمين يزداد تفاؤلا وانشراحا به . والتخصيص بذلك لا ينفى أن يكون النور محيطا بهم من كل جوانبهم ، وهو نور حقيقي يكرم اللَّه - تعالى - به عباده الصالحين . وختموا دعاءهم بقولهم - كما حكى القرآن عنهم - : * ( إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * للإشارة إلى أنهم كانوا على جانب كبير من رجاء تحقيق دعائهم ، لأنهم يسألون ويدعون اللَّه - تعالى - الذي لا يقف أمام قدرته شيء . ثم أمر - سبحانه - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم أن يجاهد الكفار والمنافقين جهادا كبيرا فقال : * ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ والْمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) * . وخص النبي صلى اللَّه عليه وسلم بالأمر بالجهاد ، مع أن الأمر به يشمل المؤمنين معه ، لأنه صلى اللَّه عليه وسلم هو قائدهم ورائدهم .