سيد محمد طنطاوي
469
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وظاهر الآية يؤيد القول بالإيجاب لقوله - تعالى - : * ( قَدْ فَرَضَ اللَّه لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ ) * لأن هذه الجملة الكريمة تشعر بأن هناك يمينا تحتاج إلى كفارة . وقد جاء في بعض الروايات الصحيحة أنه قال : « بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش ، فلن أعود له ، وقد حلفت . لا تخبري بذلك أحدا . . . » . قال الآلوسي ما ملخصه : واختلفوا هل كفر النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن يمينه هذه أولا ؟ فعن الحسن أنه صلى اللَّه عليه وسلم لم يكفر لأنه كان مغفورا له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وإنما هو تعليم للمؤمنين . وعن مقاتل : أنه صلى اللَّه عليه وسلم أعتق رقبة . . . ونقل مالك عن زيد بن أسلم أنه صلى اللَّه عليه وسلم أعطى الكفارة « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( واللَّه مَوْلاكُمْ ) * أي : وهو - سبحانه - سيدكم ومتولى أموركم وناصركم . وهو - تعالى - : * ( الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) * أي : العليم بجميع أحوالكم وشئونكم ، الحكيم في كل أقواله وأفعاله وتدبير شؤون عباده . والظرف في قوله - تعالى - * ( وإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِه حَدِيثاً ) * متعلق بمحذوف تقديره اذكر ، وقوله : * ( أَسَرَّ ) * من الإسرار بالشيء بمعنى كتمانه وعدم إشاعته . والمراد ببعض أزواجه : حفصة - رضى اللَّه عنها - . والمراد بالحديث قوله لها - كما جاء في بعض الروايات - : « بل شربت عسلا عند زينب ، ولن أعود ، وقد حلفت فلا تخبري بذلك أحدا . . . » . أو قوله لها في شأن مارية : « إني قد حرمتها على نفسي ، فاكتمي ذلك فأخبرت بذلك عائشة » . أي : واذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ - وقت أن أسر النبي صلى اللَّه عليه وسلم إلى زوجه حفصة حديثا ، يتعلق بشربه العسل في بيت زينب بنت جحش ، وقوله صلى اللَّه عليه وسلم لحفصة لا تخبري بذلك أحدا « . * ( فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِه ) * أي : فلما أخبرت حفصة عائشة بهذا الحديث الذي أمرت بكتمانه * ( وأَظْهَرَه اللَّه عَلَيْه ) * أي : وأطلع اللَّه - تعالى - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم على ما قالته حفصة لعائشة .
--> ( 1 ) راجع تفسير الآلوسي ج 28 ص 148 .