سيد محمد طنطاوي

46

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والفاء في قوله - سبحانه - : * ( فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ ) * للإفصاح . والكاهن : هو الإنسان الذي يزعم أنه يخبر عن الأشياء المغيبة ، والمجنون : هو الإنسان الذي سلب عقله ، فصار لا يعي ما يقول . أي : إذا كان الأمر كما ذكرنا لك قبل ذلك - أيها الرسول الكريم - فاثبت على ما أنت عليه من التذكير بما أوحينا إليك . . فما أنت بسبب إنعام اللَّه عليك بكاهن ولا مجنون كما يزعم أولئك الكافرون . قال الجمل : والباء في قوله * ( بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ) * للسببية ، وهي متعلقة بالنفي الذي أفادته « ما » أي : انتفى كونك كاهنا أو مجنونا ، بسبب إنعام اللَّه عليك بالعقل الراجح ، وعلو الهمة ، وكرم الفعال ، وطهارة الأخلاق ، وهم معترفون بذلك لك قبل النبوة « 1 » . ثم أخذت السورة الكريمة في تقريع هؤلاء الجاهلين بأسلوب استنكارى فيه ما فيه من التعجب من جهالاتهم . وفيه ما فيه من الرد الحكيم على أكاذيبهم ، فساقت أقاويلهم بهذا الأسلوب الذي تكرر فيه لفظ « أم » خمس عشرة مرة ، وكلها إلزامات ليس لهم عنها جواب . وبدأت بقوله - تعالى - : * ( أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِه رَيْبَ الْمَنُونِ . قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ) * ، و « أم » في هذه الآيات بمعنى بل والهمزة . وقوله : * ( نَتَرَبَّصُ ) * من التربص بمعنى الانتظار والترقب . وقوله : * ( رَيْبَ الْمَنُونِ ) * يعنون به : حوادث الدهر التي تحدث له صلى اللَّه عليه وسلم منها

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالية ج 4 ص 217 .