سيد محمد طنطاوي

449

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : ذلك الذي ذكرناه لكم من أحكام إنما يتأثر به ، ويعمل بمقتضاه الذين يؤمنون باللَّه - تعالى - وباليوم الآخر إيمانا حقا . وخص - سبحانه - الذين يؤمنون باللَّه واليوم الآخر بالذكر ، لأنهم هم المنتفعون بهذه الأحكام ، وهم المنفذون لها تنفيذا صحيحا . ثم بشر - سبحانه - عباده الذين يتقونه ويراقبونه ببشارات متعددة فقال : * ( ومَنْ يَتَّقِ اللَّه يَجْعَلْ لَه مَخْرَجاً ، ويَرْزُقْه مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) * . والجملة الكريمة اعتراض بين قوله - تعالى - : * ( وأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّه ) * وبين قوله - سبحانه - بعد ذلك : * ( واللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ ) * . وجئ بهذا الاعتراض بين هذه الأحكام لحمل النفوس على تقبل تشريعاته - تعالى - وآدابه ، ولحض الزوجين على مراقبته - سبحانه - وتقواه . أي : ومن يتق اللَّه - تعالى - في كل أقواله وأفعاله وتصرفاته . يجعل له - سبحانه - مخرجا من هموم الدنيا وضوائقها ومتاعبها ، ومن شدائد الموت وغمراته ، ومن أهوال الآخرة وعذابها ، ويرزقه الفوز بخير الدارين ، من طريق لا تخطر له على بال ، ولا ترد له على خاطر ، فإن أبواب رزقه - سبحانه - لا يعلمها أحد إلا هو - عز وجل - . وفي هذه الجملة الكريمة ما فيها من البشارة للمؤمن ، حتى يثبت فؤاده ، ويستقيم قلبه ، ويحرص على طاعة اللَّه - تعالى - في كل أحواله . قال القرطبي : قال أبو ذر ، قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم ، ثم تلا : * ( ومَنْ يَتَّقِ اللَّه يَجْعَلْ لَه مَخْرَجاً ، ويَرْزُقْه مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) * . وعن جابر بن عبد اللَّه قال : نزلت هذه الآية في عوف بن مالك الأشجعي ، أسر المشركون ابنا له ، فأتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأخبره بذلك . فقال له صلى اللَّه عليه وسلم : « اتق اللَّه واصبر ، وآمرك وزوجك أن تستكثرا من قول : لا حول ولا قوة إلا باللَّه » . فعاد إلى بيته وقال لامرأته : إن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أمرني وإياك أن نستكثر من قول : لا حول ولا قوة إلا باللَّه . فقالت : نعم ما أمرنا ، فجعلا يقولان ذلك ، فغفل العدو عن ابنه ، فساق غنمهم وجاء بها إلى أبيه عوف ، فنزلت الآية . . . « 1 » . ثم قال - تعالى - : * ( ومَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه فَهُوَ حَسْبُه ، إِنَّ اللَّه بالِغُ أَمْرِه قَدْ جَعَلَ اللَّه لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً ) * .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 18 ص 159 .