سيد محمد طنطاوي

444

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وفي الصحيحين عن عبد اللَّه بن عمر قال : طلقت امرأتي وهي حائض ، فذكر ذلك لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فتغيظ وقال : فليراجعها ثم فليمسكها حتى تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيها . وكان عبد اللَّه بن عمر قد طلقها تطليقة ، فحسبت من طلاقها ، وراجعها عبد اللَّه بن عمر كما أمره رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم . وفي رواية أن الرسول صلى اللَّه عليه وسلم قال له : « هي واحدة » وهذا نص . وهو يرد على الشيعة قولهم « 1 » . وقد بسط الفقهاء وبعض المفسرين الكلام في هذه المسألة فليرجع إليها من شاء . . . « 2 » . والمخاطب بقوله * ( وأَحْصُوا الْعِدَّةَ ) * الأزواج على سبيل الأصالة ، لأنهم هم المخاطبون بقوله * ( طَلَّقْتُمُ ) * وبقوله * ( فَطَلِّقُوهُنَّ ) * ، ويدخل معهم الزوجات على سبيل التبع ، وكذلك كل من له صلة بهذا الحكم ، وهو إحصاء العدة . ثم أمر - سبحانه - بتقواه فقال : * ( واتَّقُوا اللَّه رَبَّكُمْ ) * أي ، واتقوا اللَّه ربكم ، بأن تصونوا أنفسكم عن معصيته ، التي من مظاهرها إلحاق الضرر بأزواجكم ، بتطليقهن في وقت حيضهن . أو في غير ذلك من الأوقات المنهي عن وقوع الطلاق فيها . فالمقصود بهذه الجملة الكريمة : التحذير من التساهل في أحكام الطلاق والعدة ، كما كان أهل الجاهلية يفعلون . وجمع - سبحانه - بين لفظ الجلالة ، وبين الوصف بربكم ، لتأكيد الأمر بالتقوى ، وللمبالغة في وجوب المحافظة على هذه الأحكام . ثم بين - سبحانه - حكما آخر يتعلق بالأزواج والزوجات فقال : * ( لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ، ولا يَخْرُجْنَ ، إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) * . والجملة الكريمة مستأنفة ، أو حال من ضمير * ( وأَحْصُوا الْعِدَّةَ ) * أي : حالة كون العدة في بيوتهن ، والخطاب للأزواج ، والزوجات ، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال والأساليب . والفاحشة : الفعلة البالغة الغاية في القبح والسوء ، وأكثر إطلاقها على الزنا . وقوله : * ( مُبَيِّنَةٍ ) * صفة للفاحشة ، وقراءة الجمهور - بكسر الياء - أي : بفاحشة توضح لمن تبلغه أنها فاحشة لشدة قبحها .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 18 ص 151 . ( 2 ) راجع تفسير الآلوسي ج 28 ص 130 . وتفسير آيات الأحكام ج 4 ص 156 . للشيخ السائس .