سيد محمد طنطاوي

441

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال صاحب الكشاف : خصّ النبي صلى اللَّه عليه وسلم بالنداء ، وعمّ بالخطاب ، لأن النبي صلى اللَّه عليه وسلم إمام أمته وقدوتهم ، كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم : يا فلان : افعلوا كيت وكيت ، وإظهارا لتقدمه ، واعتبارا لترؤسه ، وأنه مدرة قومه ولسانهم - والمدرة : القرية . أي : أنه بمنزلة القرية لقومه ، وأنه الذي يصدرون عن رأيه ، ولا يستبدون بأمر دونه ، فكان هو وحده في حكم كلهم ، وساد مسد جميعهم « 1 » . وهذا التفسير الذي اقتصر عليه صاحب الكشاف ، هو المعول عليه ، وهو الذي يناسب بلاغة القرآن وفصاحته ، ويناسب مقام النبي صلى اللَّه عليه وسلم . وقيل : الخطاب له ولأمته : والتقدير : يا أيها النبي وأمته إذا طلقتم ، فحذف المعطوف لدلالة ما بعده عليه . وقيل : هو خطاب لأمته فقط ، بعد ندائه - عليه السلام - وهو من تلوين الخطاب ، خاطب أمته بعد أن خاطبه . وقيل : إن الكلام على إضمار قول ، أي : يا أيها النبي قل لأمتك إذا طلقتم « 2 » . والحق أن الذي يتدبر القرآن الكريم ، يرى أن الخطاب والأحكام المترتبة عليه ، تارة تكون خاصة به صلى اللَّه عليه وسلم كما في قوله - تعالى - : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه . وتارة يكون شاملا له صلى اللَّه عليه وسلم ولأمته كما في هذه الآية التي معنا ، وكما في قوله - تعالى - : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ والْمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ . وتارة يكون صلى اللَّه عليه وسلم خارجا عنه كما في قوله - تعالى - : إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ، ولا تَنْهَرْهُما ، وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً . واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ، وقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً « 3 » . فصيغة الخطاب هنا وإن كانت موجهة إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم إلا أنه ليس داخلا فيها ، لأن والديه لم يكونا موجودين عند نزول هاتين الآيتين . والمراد بقوله : * ( إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ) * أي : إذا أردتم تطليقهن ، لأن طلاق المطلقة من باب تحصيل الحاصل .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 552 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 355 . ( 3 ) سورة الإسراء : 23 ، 24 .