سيد محمد طنطاوي
433
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( وتَصْفَحُوا ) * عنهم ، بأن تتركوا عقابهم بدون عزم عليه . . * ( وتَغْفِرُوا ) * ما فرط منهم من أخطاء ، بأن تخفوها عليهم . وقوله : * ( فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * قائم مقام جواب الشرط . أي : وإن تفعلوا ذلك من العفو والصفح والمغفرة ، يكافئكم اللَّه - تعالى - على ذلك مكافأة حسنة ، فإن اللَّه - تعالى - واسع المغفرة والرحمة لمن يعفون ويصفحون ويغفرون . وقوله - تعالى - : نَّما أَمْوالُكُمْ وأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ . تعميم بعد تخصيص ، وتأكيد التحذير الذي اشتملت عليه الآية السابقة . والمراد بالفتنة هنا : ما يفتن الإنسان ويشغله ويلهيه عن المداومة على طاعة اللَّه - تعالى - . أي : إن أموالكم وأولادكم - أيها المؤمنون - على رأس الأمور التي تؤدى المبالغة والمغالاة في الاشتغال بها ، إلى التقصير في طاعة اللَّه - تعالى - ، وإلى مخالفة أمره . والإخبار عنهم بأنهمتْنَةٌ للمبالغة ، والمراد أنهم سبب للفتنة أي : لما يشغل عن رضاء اللَّه وطاعته ، إذا ما جاوز الإنسان الحد المشروع في الاشتغال بهما . قال الآلوسي : قوله - تعالى - : نَّما أَمْوالُكُمْ وأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ أي : بلاء ومحنة ، لأنهم يترتب عليهم الوقوع في الإثم والشدائد الدنيوية وغير ذلك . وفي الحديث . يؤتى بالرجل يوم القيامة ، فيقال : أكل عياله حسناته . وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي . . عن بريدة قال . كان النبي صلى اللَّه عليه وسلم يخطب ، فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل صلى اللَّه عليه وسلم من فوق المنبر ، فحملهما . . ثم صعد المنبر فقال : صدق اللَّه إذ يقول : نَّما أَمْوالُكُمْ وأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ، إني لما نظرت إلى هذين الغلامين يمشيان ويعثران ، لم أصبر أن قطعت كلامي ، ونظرت إليهما « 1 » . وقال الجمل : قال الحسن في قوله - تعالى - : * ( إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ ) * أدخل - سبحانه - * ( مِنْ ) * للتبعيض ، لأنهم كلهم ليسوا بأعداء ، ولم يذكر من في قوله نَّما أَمْوالُكُمْ وأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ ، لأنهما لا يخلوان من الفتنة ، واشتغال القلب بهما ، وقدم الأموال على الأولاد ، لأن الفتنة بالمال أكثر . وترك ذكر الأزواج في الفتنة ، لأن منهن من يكن صلاحا وعونا على الآخرة « 2 » .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 28 ص 127 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 4 ص 353 .